الصفحة 4 من 18

بل هي وسيلة لمنع الهرب فقد ورد ان النبي (ص) قيّد ثمامة بن اثال سيد أهل اليمامة في أحد سواري المسجد النبوي الشريف (27) .

وقد حدث ان هرب مرةً أحد الأسرى من حجرة عائشة فجاء النبي (ص) فسألها عنه فقالت يا رسول الله: نسوة كن عندي فلهييني عنه فذهب فأرسل رسول الله (ص) في أثره العيون حتى عثروا عليه (28) . ومن المتتبع لسيرة المسلمين يجد انهم قد امتازوا كثيرًا عن الأمم التي سبقتهم من حيث معاملة الأسير مراعين فيه الجانب الإنساني مع عدم الغفلة عن الخطر الذي قد يحدث من جراء التساهل في معاملة هؤلاء المحاربين

المبحث الرابع: الأحكام المتعلقة بالموقف من الأسرى

أولًا: رأي المذهب الحنفي في الأسرى

ان الإمام"ولي الأمر"مخيرّ عندهم بين قتل الأسرى أو استرقاقهم أو تركهم ذمة للمسلمين (29) أي تأخذ منهم الجزية ومن أرضهم الخراج (30) ولا يجوزون مفادات الأسير الكافر بالأسير المسلم عندهم لان المسلم إذا وقع في الأسر فهو في بلاءٍ من الله تعالى غير مضافًا الينا (كما يقولون) وإعانتهم بدفع الأسير إليهم مضافًا الينا (31) .

وخالف بذلك الصاحبان أبو يوسف الانصاري ومحمد بن الحسن الشيباني فأجازا مفاداة الأسير المسلم بالكافر.

وهو ما عليه الشافعية حيث قالوا تخليص المسلم أولى من قتل الكافر أو الانتفاع به"يعني استرقاقه" (32) .

ولا يجوز المن على الأسير الكافر عند جمهور الحنفية الا إذا منَّ عليهم تبعًا لأراضيهم كي لا يشتغل الفاتحون بالزراعة عن الجهاد في سبيل الله تعالى (33) .

ويستثنى عندهم من هذا التفصيل المشركون العرب والمرتدون فلا يقبل منهم إما الإسلام أو القتل.

ثانيًا: المذهب الامامي

عند الأمامية لا أسر إلا بعد الاثخان وهو كسر شوكة العدو وإضعافه فعند ذلك يجوز أسر العدو، فإذا تم أسره بعد الاثخان لا يجوز قتل الأسير، وكذلك يسقط قتل الأسير إذا أسلم.

ولا يفرق الأمامية بين كفار العرب وغيرهم كما هو الحال عند بعض المذاهب وحكم الأسير عندهم يدور بين الاسترقاق والفداء والمن.

وقد قال العلامة الخوئي: المعروف عند الشيعة الأمامية ان الكافر المقاتل يجب قتله ما لم يسلم، ولا يسقط قتله بالأسر قبل ان يثخن المسلمون الكافرين، ويعجز الكافرون عن القتال لكثرة القتل فيهم، وإذا أسلم أرتفع موضوع القتل، وهو الكفر.

وأما الأسر بعد الاثخان فيسقط فيه القتل، فأن الآية قد جَعَلتْ الاثخان غاية لوجوب ضرب الرقاب (34) .

وقد خالف الأمامية الجمهور في مسألة قتل الأسير فعندهم لا يقتل إذا أُسِرَ بعد الاثخان"كما تقدم"مستدلين بقوله تعالى {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} (35) ونقل الخوئي عن الشيخ الطوسي كما في كتابه المبسوط: كل أسير يؤخذ بعد ان تضع الحرب أوزارها فأنه يكون الإمام مخير فيه بين ان يمن عليه فيطلق، وبين ان يسترقه وبين ان يفاديه وليس له قتله على ما رواه أصحابنا (36) . وقد نقل العلامة السبزواري الاجماع على ذلك (37) .

ثالثًا: رأي المذاهب الأخرى

عند المالكية الإمام يختار بما هو الأصلح للمسلمين في الأسرى قبل القسمة، بين أحد أمور خمسة هي: القتل أو الاسترقاق أو المّن أو الفداء أو ضرب الجزية عليهم. وعندهم يسترق العرب إذا سبوا كالعجم وهذا كان في الماضي معاملة بالمثل (38) .

أما فداء الأسرى فالمالكية يجوزون فداء الأسرى لقوله تعالى {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} (39) وقد فدى رسول الله (ص) بالأسيرين في سرية عبد الله بن جحش (40) .

وعند الشافعية لا يسترق وثني كما لا يجوز تقريره بالجزية، ورد بأن من جاز أن يمن عليه ويفادى جاز ان يسترق كالكتابي. وكذا العربي ولا يجوز استرقاقه في القول القديم"للشافعي"لحديث فيه ورد والحديث واهٍ، وقد سبى الرسول (ص) بني المصطلق وهوازن وقبائل من العرب وأجرى عليهم الرق (41) .

ونص الحنابلة والاباضية على ان للإمام قبول الجزية من الأسرى دون ان يزول التخيير الثابت فيهم عن رسول الله (ص) فيفهم من هذا انه لا يجب عليه قبول عقد الذمة (42) . فالإمام أو نائبه يتصفح أحوال الأسرى ويجتهد فيهم برأيه فمن علم منه قوة بأس وشدة نكاية ويئس من إسلامه وعلم ما في قتله من وهن قومه قتله صبرًا من غير مثلة ومن رآه منهم مرجو الإسلام أو مطاعًا في قومه ورجا بالمن عليه إما إسلامه أو تأليف قومه مَنَّ عليه وأطلقه ومن وجد منهم ذا مال وكان بالمسلمين خلة وحاجة فاداه على ماله وجعله عدة للإسلام وقوة للمسلمين وان كان في أسرى عشيرته أحد من المسلمين من رجال أو نساء فاداه على إطلاقهم فيكون خياره في الأربعة على وجه الأحوط الأصلح ويكون المال المأخوذ في الفداء غنيمة تضاف إلى الغنائم ولا يخص بها من اسر من المسلمين فأن رسول الله (ص) دفع فداء الأسرى من أهل بدر إلى من أسرهم قبل نزول قسم الغنيمة في الغانمين ومن أباح الإمام دمه من المشركين لعظم نكايته وشدة أذيته ثم أُسر جاز له المنّ عليه والعفو عنه (43) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت