الصفحة 19 من 51

ومن الموازين أيضا: أن (خلطة) الصفات هذه لا تكون اكتيالا لكل ما هو محمود منها، جزافا دون اختيار ومقدار، وإنما يجب أن يحل التناسب بينها إن لم يكن التكافؤ والانتقاء، فإن في القلب قناة وحيزا لكل صفة فاضلة، لو فرغ منها وملأته صفة أخرى تضاعف حيزها ومكانها لحصل طغيان في تلك الصفة زائد عن حد الاعتدال، فيخرج المرء إلى تطرف، ففي القلب مثلا أماكن للشجاعة والكرم والصبر والحلم، فما من مبالغ في صفة من هذه الصفات إلا كانت مبالغته على حساب الصفات الأخرى، ناحتة منها، وقد أشار الإمام الغزالي إلى قريب من هذا المعنى، وقد يكون هذا هو سر لغز انهيار بعض المبالغين في الحماسة والمناوشة والتحدي وحب الصدام عند المحن والفتن، لأن صفاتهم هذه نحتت من صبرهم وأزاحته وسكنت مكانه، واختل التوازن الكمي في خلطة صفاتهم، والله أعلم .. وقد قلت هذا بين يدي الأستاذ صلاح شادي رحمه الله مفسرا له ظاهرة سرعة انهيار دعاة الصدام في المحن، فاستحسنه مني .

ومن الموازين أيضا: أن هذه الحياة لا تؤثر فيها الصفات النفسية الإيجابية فقط، بل يؤثر فيها السلب أيضا، بقدرة الله تعالى، فالمظلوم المتحرق، والحزين المنكسر، والملهوف المشتاق، والتائه التواق، كل أولئك في تعطل وانعزال وانسحاب وسكون وتسليم، لا يقدرون في أكثر الأحيان على شيء من المدافعة واتخاذ الأسباب، فإذا فوضوا أمرهم إلى الله تعالى: انتصر لهم بلا فعل منهم غير المعنى الذي تفور به قلوبهم، حتى الكافر ينتصر الله له من ظالمه.

نسبية التوثيق والتضعيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت