الصفحة 35 من 51

ومن شعب هذا الإيمان: الاستسلام للقدر حين يرى العبد أن الأسباب الظاهرة المألوفة عند الناس ما عادت تجدي أو توصله إلى مبتغاه ومراده، فيدرك أن في الأمر سرا ربانيا وحكمة خفية، وأن الله سبحانه يريد به لطفا - ربما - حين يمنعه عن نيل ما يناله الناس، ربما حتى فاجرهم، بل كافرهم، فيطرح نفسه على باب ربه متذللا مفوضا، ويختط لنفسه مذهبا قدريا خاصا، فيفتي نفسه بأن يكون ريشة في مهب ريح القدر، وقد كان من قبل يصارع قدر الشر بقدر الخير على طريقة عبد القادر الكيلاني المشهورة الصحيحة السنية، وقد أتاها وحاول وأجهد نفسه وقواه ورصد الأسباب فسلكها وخاض الغمار وأوغل في العمق واحتال بكل الحيل، لكنه فشل، فيغمره إدراك حينئذ لموقعه، وأنه محروس، بلطف ورعاية إلهية، مما يظنه خيرا وهو شر له، أو هو معاقب ممنوع، من جبار منتقم بعدل، فيتميز له طريق التوبة إذ هو في حالة الإذعان المبالغ فيه والإخبات الذي يوصله إلى أدنى درجات المسكنة ونكران الذات والإزراء على نفسه وتوبيخها وردعها واتهامها ومنعها من الاعتذار والتأول، فيسد عليها مسارب التملص كلها، ويحملها المسؤولية كاملة، حتى يرهقها محاسبة، فعسى عندئذ أن يفتح له باب من التوفيق يلج من زاويته هاربا، أو يسلك في الدرب الذي بعده صاعدا، وهذا مذهب سني صحيح ليس له مع مذهب الابتداع القدري التقاء، وإنما يميزه قدماء أهل المعاناة فقط، ولن يؤذن لطارئ أن يقارب مغزاه، وهو شأن القلب وأحاسيس اللجج، لا شأن اللسان ودعاوى اللجاج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت