ـ مع بداية السبعينيات من القرن المنصرم بدأ تخطيط التنمية خاصة، يواجه أزمة واضحة، حيث لم يظهر أثر التخطيط على المسار الفعلي للأحداث بالرغم من المبالغ الطائلة التي أنفقت والجهود التي بذلت في إعداد الخطط، واستمرت أزمة التخطيط قائمة مع تفاقم أزمة التنمية وتحول العديد من الاقتصاديات المتخلفة تحت ضغط الأزمة وبفعل تدخلات المؤسسات الدولية إلى سياسات الانفتاح والتحرر الاقتصادي، وقد تعزز هذا الاتجاه بالتدهور ثم الانهيار الذي لحق بالاتحاد السوفياتي ودول شرق أوروبا.
لقد عمّقت التحولات التي طرأت على الصعيد العالمي منذ عام 1990 من أزمة التنمية والتخطيط بالدول المتخلفة، إذ أن سقوط جدار برلين أدخل إلى السوق العالمية أسواقا متعطشة، إضافة إلى تلك العاطفة التي تربط الأوروبيين بشعوب بلدان أوروبا الشرقية، أما سقوط الاتحاد السوفيتي فقد سمح لروسيا بالتخلي عن كل السياسات التقليدية وبدأت تنافس على جذب الاستثمارات، أما الثورة التقنية وخصوصا في قطاع المعلومات والاتصالات في الولايات المتحدة فقد استحوذت على أموال ضخمة كان يمكن أن يدخل بعضها البلدان المتخلفة، وهكذا فقد أفرزت التحولات العالمية ما يمكن أن يسمى بـ"تنافسية الدول".
ـ إن مشكلات التخلف والتنمية هي مشكلات مترابطة ومتداخلة مع بعضها وتتسم بطبيعة متشابهة، كما أن حلول هذه المشكلات متقاربة من حيث الجوهر والأساس؛ ولذلك فإنه نتيجة للصعوبات الاقتصادية الحادة التي واجهتها الدول المتخلفة منذ أوائل الثمانينيات، لم يكن أمامها من خيار سوى تطبيق إجراءات التثبيت لمواجهة الاختلالات الاقتصادية على المدى القصير، كما قامت أيضا بإصلاحات جذرية لتغيير هياكل اقتصاديتها وتفادي وقوع اختلالات مستقبلية على مستوى الاقتصاد الكلي، وفي هذا السياق المتطور، تم إعادة تشكيل وتعريف دور التخطيط كآلية دافعة للتنمية في هذه الاقتصاديات.