لقد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية تأكيد زعامتها العسكرية والسياسية بحيث أصبح النظام الدولي خاضعا لممارستها لدور"شرطي العالم"، فبعد أن كرّست هيمنتها المطلقة على مجلس الأمن استطاعت أن توظفه بالشكل الذي تريد، وحينما تريد، ونحن نشهد كيف توظف الأمم المتحدة لأغراض نظامها العالمي الجديد، كما حصل في أزمة الخليج الثانية؛ ولكنها استبعدته بشكل كامل من عملية السلام التي ابتدأت في مدريد، وبشكل مطلق وبتحدّ للرأي العام الدولي في غزوها للعراق.
إذا أردنا أن نلخص أهم المعالم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لهذه التحولات، فإن صعوبة مواكبة تسارعها وتلاحقها، تواجهنا في ذلك، ولعلنا تنمكن من ذكر أهمها في ما يلي:
ـ تراجع وتحول وظائف الدولة اقتصاديا وسياسيا، لتفسح للقطاع الخاص الوطني والأجنبي، ولمنظمات المجتمع المدني وشبه الحكومي القيام بأدوار أكبر وأكثر تزايدا بمرور الزمن.
ـ تزايد دور الشركات العالمية، بحيث فاقت القدرة المالية والسياسية لبعضها، قدرة كثير من الدول، بل قدرة وسلطة البلدان المتخلفة مجتمعة؛ إذ أن ثلث التجارة العالمية يتم بين هذه الشركات وفروعها في البلدان الأخرى، وتستأثر حوالى350 منها على 40% من التجارة العالمية [1] .
ـ الزيادة الكبيرة في انتقال رؤوس الأموال والتدفقات المالية، والتي يتم من خلالها التأثير على المكونات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية لمختلف الدول والشعوب، وتفاقم تكسير الحدود الجبائية والجمركية، وإعادة ترسيم الحدود السياسية والجغرافية لكثير من المناطق والبلدان.
(1) ـ الأرقام واردة بملف الأهرام الاستراتيجي، العدد61، يناير2000، ص3، ضمن مقال بعنوان: مؤتمر سياتل وتحديات العولمة لعبد الفتاح الجبالي.