قسم غابت عليه الشريعة، ولم يدر ما يتقَرَّب به إلى الله تعالى، فوقف عن العمل بكل ما يتوهَّمه العقل أنه تقُّرب إلى الله، ورأى ما أهل عصره عاملون به ممَّا ليس لهم مستند إلا استحسانهم، فلم يستفزه ذلك عن الوقوف عنه، وهؤلاء هم الدَّاخلون حقيقة تحت عموم الآية الكريمة { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا } [1] .
وقسم لابَسَ ما عليه أهل عصره من عبادة غير الله، والتحريم بالرأى، ووافقهم في اعتقاد ما اعتقدوه من الباطل، فهؤلاء نصَّ العلماء على أنهم غير معذورين، مشاركون لأهل عصرهم في المؤاخذة، لأنهم وافقوهم في العمل والموالاة والمعاداة على تلك الشرعة، فصاروا من أهلها، فكذلك ما نحن في الكلام عليه، إذ لا فرق بينهما.
ومن العلماء من يطلق العبارة ويقول: كيفما كان، لا يُعذَّب أحد إلا بعد الرسل وعدم القبول منهم.
وهذا إن ثبت قولًا هكذا، فنظيره في مسألتنا أن يأتى عالم أعلم من ذلك المنتصب يبَّين السنة من البدعة، فإن راجعه هذا المقلَّد في أحكام دينه ولم يقتصر على الأول، فقد أخذ بالاحتياط الذى هو شأن العقلاء ورجاء السلامة، وإن اقتصر على الأول، ظهر عناده، لأنه مع هذا الفرض لم يرض بهذا الطارئ، وإذا لم يرضه، كان ذلك لهوى داخله، وتعصُّب جرى في قلبه مجرى الكَلَب في صاحبه، وهو إذا بلغ هذا المبلغ، لم يبعد أن يتنصر لمذهب صاحبه، ويحسنه، ويستدل عليه بأقصى ما يقدر عليه في عموميته، وحكمه قد تقدم في القسم قبله.
فصلُ
ولنزد هذا الموضوع شيئًا من البيان، فإنه أكيد، لأنه تحقيق مناط الكتاب وما احتوى عليه من المسائل، فنقول وبالله التوفيق:
(1) ... الإسراء: 15.