الصفحة 114 من 471

إن لفظ:"أهل الأهواء"، وعبارة:"أهل البدع"، إنما تطلق حقيقة على الذين ابتدعوها، وقَدَّموا فيها شريعة الهوى، بالاستنباط، والنصر لها، والاستدلال على صحَّتها في زعمهم، كلفظ"أهل السنة"إنما يُطلق على ناصريها، وعلى من استنبط على وفقها والحامين لذِمَارِها [1] .

ويرشح ذلك أن قول الله تعالى: { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا } [2] ، يشعر بإطلاق اللفظ على من جعل ذلك الفعل الذى هو التفريق، وليس إلا المخترع أو من قام مقامه.

وكذلك قول النبى - صلى الله عليه وسلم -: (حتى إذا لم يَبق عالمٌ أتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم) [3] فأقاموا أنفسهم مقام المستنبط للأحكام الشرعية، المقَتَدى بهِ فيها، بخلاف العوامَّ، فإنهم متبعون لما تقرَّر عند علمائهم، لأنه فرضهم، فليسوا بمتَّبعين للمتشابه حقيقة، ولا هم متبعون للهوى، وإنما يتَّبعون ما يقال لهم كائنًا ما كان، فلا يُطلق على العوام لفظ"أهل الأهواء"حتى يخوضوا بأنظارهم فيها، ويُحَسِّنوا بنظرهم ويقبَّحوا.

وعند ذلك يتَّعينُ للفظ"أهل الأهواء"و"أهل البدع"مدلول واحد، وهو: من انتصبَ للابتداع ولترجيحه على غيره، وأما أهل الغفلة عن ذلك، والسالكون سبيل رؤسائهم بمجرَّد التقليد من غير نظر، فلا.

فحقيقة المسألة أنها تحتوى على قسمين: مبتدع ومقتد به.

فالمفتدى به، كأنه لم يدخل في العبارة بمجرَّد الاقتداء، لأنه في حكم المتّبِع.

(1) ... الذِمَار: كل ما يلزمك حفظه وحمايته والدفاع عنه، كالحَرمَ والعرض والمال.

(2) ... الأنعام: 159.

(3) ... رواه البخاري (100) ومسلم (2673) والترمذي وابن ماجة والبيهقي والدارمي وابن حبان من حديث عبد الله بن عمرو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت