والمبتدع هو المخترع، أو المستدِل على صحة ذلك الاختراع، وسواء علينا أكان ذلك الاستدلال من قبيل الخاص بالنظر في العلم، أو كان من قبيل الاستدلال العامى، فإن الله سبحانه ذمَّ أقوامًا قالوا: { إنَّا وجدنا آباءنا على أمة وإنَّا على آثارهم مهتدون } [1] ، فكأنهم استدلوا إلى دليلى جُمْلىّ، وهو الآباء، إذْ كانوا عندهم من أهل العقل، وقد كانوا على هذا الدين، وليس إلا لأنه صواب، فنحن عليه، لأنه لو كان خطأ، لما ذهبوا إليه.
وهو نظير من يستدل على صحة البدعة بعمل الشيوخ ومَن يشار إليه بالصلاح، ولا ينظر إلى كونه من أهل الاجتهاد في الشريعة أو من أهل التقليد، ولا إلى كونه يعمل بعلم أو بجهل. ولكنَّ مثلَ هذا يعد استدلالًا في الجملة، من حيث جُعِل عمدة في اتباع الهوى وأطراح ما سواه، فمن أخذ به، فهو آخذ بالبدعة بدليل مثله، ودخل في مسمى أهل (الابتداع) إذ كان من حق من كان هذا سبيله أن ينظر في الحق إن جاءه، ويبحث ويتأنَّى، ويسأل، حتى يتبَّين له الحق فيتبعه، والباطل فيتجنبه.
ولذلك قال تعالى ردًا على المحتجين بما تقدم: { قال أَوَلو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم } [2] ، وفى الآية الأخرى: { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءَنا } [3] فقال تعالى: { أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون } [4] ، وفى الآية الأخرى: { أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } [5] ... وأمثال ذلك كثير.
(1) ... الزخرف: 22.
(2) ... الزخرف: 24.
(3) ... البقرة: 170.
(4) ... البقرة: 170.
(5) ... لقمان: 21.