الصفحة 118 من 471

فلأن غير الخارج لم يزد على الدعوة مفسدة أخرى يترتب عليها إثم، والخارج زاد الخروج على الأئمة -وهو موجب للقتل- والسعى في الأرض بالفساد، وإثارة الفتن والحروب، إلى حصول العداوة والبغضاء بين أولئك الفرق، فله من الإثم العظيم، ومثاله قصة الخوارج.

وقد لا يخرجون هذا الخروج، بل يقتصرون على الدَّعوة، لكن على وجه أدعى إلى الإجابة، لأن فيه نوعًا من الإكراه والإخافة، فلا هو مجرَّد دعوة، ولا هو شقُّ العصا من كل وجه، وذلك أن يستعين على دعوة بأولى الأمر من الولاة والسلاطين، فإن الاقتداء هنا أقوى بسبب خوف الولاة -فى الإيقاع بالآبى سجنًا أو ضربًا أو قتلًا- كما اتفق لبشر المريسى في زمن المأمون [1] .

(1) ... المريسي: المتكلم المناظر، كان بشر من كبار الفقهاء، أخذ عن القاضي أبي يوسف وروى عن حماد بن سلمة وسفيان بن عيينة، ونظر في الكلام فغلب عليه، وانسلخ من الورع والتقوى، وجرد القول بخلق القرآن ودعا إليه حتى كان عين الجهمية في عصره وعالمهم، فمقته أهل العلم وكفره عدة، ولم يدرك جهم بن صفوان بل تلقف مقالاته من أتباعه. وقال أبو النضر هاشم بن القاسم: كان والد بشر يهوديًا قصارًا صباغًا في سويقة نصر. وصنف كتابًا في التوحيد و كتاب الإرجاء، وقال المروذي: سمعت أبا عبد الله وذكر المريسي فقال: كان أبوه يهوديا أي شي تراه يكون، قال أبو عبد الله: ما كان صاحب حجج بل صاحب خطب، وقال أبو بكر الأثرم: سئل أحمد عن الصلاة خلف بشر المريسي، فقال: لاتصل خلفه. وقال قتيبة: بشر المريسي كافر. مات في آخر سنة ثماني عشرة ومئتين وقد قارب الثمانين، فهو بشر الشر، وبشر الحافي بشر الخير، كما أن أحمد بن حنبل هو أحمد السنة، وأحمد بن أبي دواد أحمد البدعة..ومن كفر ببدعة وإن جلت ليس هو مثل الكافر الأصلي، ولا اليهودي والمجوسي، أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر وصام وصلى وحج وزكى، وإن ارتكب العظائم وضل وابتدع كمن عاند الرسول وعبد الوثن ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها. (عن سير أعلام النبلاء باختصار 10/199) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت