فهذا الوجه، الوزر فيه أعظم من مجَّرد الدَّعوة من وجهين:
الأول: الإخافة والإكراه بالقتل.
والآخر: كثرة الداخلين في الدعوة، لأن الإعذار والإنذار الأخروى قد لا يقوم له كثيرٌ من النفوس، بخلاف الدنيوى، ولأجل ذلك شُرعت الحدود والزواجر في الشرع، و"إن الله يزع بالسلطان مالا يزعه"
بالقرآن" [1] ، فالمبتدع إذا لم ينتصر بإجابة دعوته بمجَّرد الإعذار والإنذار الذى يعظ به، حاول الانتهاض بأولى الأمر، ليكون ذلك أحرى بالإجابة."
6.... الاختلاف من جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية:
فإن الحقيقة أعظم وزرًا، لأنها التى باشرها المنتهى بغير واسطة، ولأنها مخالفة محضة وخروج عن السنة ظاهر، كالقول بالقدر، والقول بالحسن والتقبيح، والقول بإنكار خبر الواحد، وإنكار الإجماع، وإنكار تحريم الخمر، والقول بالإمام المعصوم ... وما أشبه ذلك. فإذا فرضت إضافية، فمعنى الإضافية أنها مشروعةٌ من وجهٍ ورأىٌ مجردٌ من وجهٍ، إذ يدخلها من جهة المخترع رأى في بعض أحوالها، فلم تناف الأدلة من كل وجه.
7.... الاختلاف من جهة كونها ظاهرة المأخذ أو مشكلة:
فلأن الظاهر عند الإقدام عليها محض مخالفة، فإن كانت مُشْكَلَة، فليست بمحض مخالفة، لإمكان أن لا تكون بدعة، والإقدام على المحتمل أخفض رتبة من الإقدام على الظاهر.
وإن قلنا: إن ترك المتشابه من باب المندوب، وإن مواقعته من باب المكروه، فلا إثم فيها في الجملة، مالم يقترن بها مايوجبها، كالإصرار عليها، إذ الإصرار على الصغيرة يصيَّرها كبيرة، فكذلك الإصرار على المكروه، قد يصيَّره صغيرة، ولا فرق بين الصغيرة والكبيرة في مطلق التأثيم.
(1) ... ذكره ابن كثير في تفسيره عند تفسير سورة الإسراء، قوله تعالى { واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا } ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور عند نفس الآية للخطيب من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكذلك صاحب كنز العمال (14284) .