والشأن في البدع -وإن كانت مكروهة- في الدوام عليها وإظهارها من المقتدى بهم في مجامع الناس وفى المساجد، فقلما تقع منهم على أصلها من الكراهية إلا ويقترن بها ما يُدخلها في مطلق التأثيم، من إصرار، أو تعليم، أو إشاعة، أو تعصب لها ... أو ما أشبه ذلك، فلا يكاد يوجد في البدع -بحسب الوقوع- مكروه لا زائد فيه على الكراهية، والله أعلم.
8.... الاختلاف بحسب الإِصرار عليها أو عدمه:
فلأن الذنب قد يكون صغيرًا فيعظم بالإِصرار عليه، كذلك البدعة تكون صغيرة فتعظم بالإِصرار عليها، فإذا كانت فلتة، فهى أهون منها إذا داوم عليها.
ويلحق بهذا المعنى ما إذا تهاون بها المبتدع وسهَّل أمرها، نظير الذنب إذا تهاون به، فالمتهاون أعظم وزرًا من غيره.
9.... الاختلاف من جهة كونها كفرًا وعدمه:
فظاهر أيضًا، لأن ما هو كفر جزاؤه التخليد في العذاب -عافانا الله- وليس كذلك ما لم يبلغ مبلغه، فبدعة الباطنيَّة والزنادقة ليست كبدعة المعتزلة والمرجئة وأشباههم. ووجوه التفاوت كثيرة، ولظهورها عند العلماء، لم نبسط الكلام عليها، والله المستعان بفضله.
[القيام على أهل البدعة بالحسبة]
وهذا باب كبير في الفقة تعلق بهم من جهة جنايتهم على الدين، وفسادهم في الأرض، وخروجهم عن جادَّة الإسلام إلى بُنَّيات الطريق التى نبَّه عليها قول الله تعالى: { وأن هذا صراطى مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } [1] .
فنقول: إن القيام عليهم: بالتثريب، أو التنكيل، أو الطرد، أو الإبعاد، أو الإنكار، هو بحسب حال البدعة في نفسها، من كونها عظيمة المفسدة في الدين أو لا، وكون صاحبها مشتهرًا بها أو لا، وداعيًا إليها أو لا، ومستظهرًا بالاتباع أو لا، وخارجًا عن الناس أو لا، وكونه عاملًا بها على جهة الجهل أو لا.
(1) ... الأنعام: 153.