فإن كان ذلك جائزًا مع أنه مُخَترع، فلم لا يجوز مثله -وقد اجتمعا في العلة لأن الجميع مصالح معتبرة في الجملة-؟! وإن لم يكن شىء من ذلك جائزًا، فلم اجتمعوا على جملة منها، وفرَّع غيرهم على بعضها؟! ولا يبقى إلا أن يقال: إنهم يتابعون على ما عمل هؤلاء دون غيره، وإن اجتمعا في العلة المسوَّغة للقياس، وعند ذلك يصير الاقتصار تحكمًا، وهو باطل، فما أدى إليه مثله -فثبت أن البدع تنقسم.
فالجواب، وبالله التوفيق، أن نقول:
أما الوجه الأول:
فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من سنَّ سنة حسنة ... ) الحديث، ليس المراد به الاختراع ألبتَّة، وإلا لزم من ذلك التعارض بين الأدلة القطعية، إن زعم مورد السؤال أن ما ذكره من الدليل مقطوع به، فإن زعم أنه مظنون، فما تقدَّم من الدليل على ذم البدع مقطوع به، فيلزم التعارض بين القطعى والظنى، والاتفاق من المحققين على تقديم القطعى.
ولكن فيه النظر من وجهين:
أحدهما: أنه يقال: إنه من قبيل المتعارضين، إذ تقدم أولًا أن أدلة الذم تكرر عمومها في أحاديث كثيرة من غير تخصيص، وإذا تعاضدت أدلَّة العموم من غير تخصيص، لم يقبل بعد ذلك التخصيص.
والثانى: على التنزُّل لفقد التعارض، فليس المراد بالحديث الاستنان بمعنى الاختراع، وإنما المراد به العمل بما ثبت من السنة النبوية، وذلك من وجهين: