الصفحة 133 من 471

فأعطى الحديث -كما ترى- أن ما سَنَّه الخلفاء الراشدون لاحق بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لأن ما سنوه لا يعدو أحد أمرين: إما أن يكون مقصودًا بدليل شرعى، فذلك سنة لا بدعة، وإما بغير دليل -ومعاذ الله من ذلك-، ولكن هذا الحديث دليل على إثباته سنة، إذ قد أثبته كذلك صاحب الشريعة، فدليلهم من الشرع ثابت، فليس ببدعة، ولذلك أردف الأمر باتباعهم بالنهى عن البدع بإطلاق ولو كان عملهم ذلك بدعة، لوقع في الحديث التدافع.

وبذلك يجاب عن مسألة قتل الجماعة بالواحد، لأنه منقول عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهو أحد الخلفاء الراشدين.

(وتضمين الصُّنَّاع) وهو منقول عن الخلفاء الأربعة رضى الله عنهم.

[تقسيم البدع إلى خمسة أقسام والرد عليه]

ومما يورد في هذا الموضع أن العلماء قسَّموا البدع بأقسام أحكام الشريعة الخمسة، ولم يعدُّوها قسمًا واحدًا مذمومًا، فجعلوا منها ما هو واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحَّرم.

وبسط ذلك القرافىُّ بسطًا شافيًا، وأصل ما أتى به من ذلك شيخه عزُ الدين بن عبد السلام، وها أنا آتى به على نصه، فقال:

"اعلم أن الأصحاب -فيما رأيت- متفقون على إنكار البدع، نصَّ على ذلك ابن أبى زيد وغيره، والحق التفصيل وأنها خمسة أقسام:"

قسم واجب: ... وهو ما تناولته قواعد الوجوب وأدلته من الشرع، كتدوين القرآن والشرائع، إذا خيف عليها الضياع، فإن التبليغ لمن بعدنا من القرون واجب إجماعًا، وإهمال ذلك حرام إجماعًا، فمثل هذا النوع لا ينبغى أن يختلف في وجوبه.

القسم الثانى: المحرم: وهو كل بدعة تناولتها قواعد التحريم وأدلَّته من الشريعة، كالمكوس، والمحدثات من المظالم، والمحدثات المنافية لقواعد الشريعة، كتقديم الجهال على العلماء، وتولية المناصب الشرعية من لا يصلح لها بطريق التوريث، وجعل المستند في ذلك كون المنصب كان لأبيه، وهو في نفسه ليس بأهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت