وإن عنى بالرُّبط ما بنى لالتزام سكناها قصد الانقطاع إلى العبادة، فإن إحداث الربط التى شأنها أن تُبنى تدُينًا للمنقطعين للعبادة -فى زعم المحدثين-، ويوقف عليها أوقاف يجرى منها على الملازمين لها ما يقوم بهم في معاشهم من طعام أو لباس وغيرهما، لا يخلو أن يكون لها أصل في الشريعة أم لا، فإن لم يكن أصل دخلت في الحكم تحت قاعدة البدع التى هى ضلالات فضلًا عن أن تكون مندوبًا إليها، وإن كان لها أصل، فليست ببدعة، فإدخالها تحت جنس البدع غير صحيح.
ثم إن كثيرًا ممَّن تكلَّم على هذه المسألة من المصنَِّفين في التصوف تعلَّقوا بالصُّفََّة التى كانت في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجتمع فيها فقراء المهاجرين.
وقد وصفهم أبو هريرة رضى الله عنه، إذ كان من جملتهم، وهو أعرف الناس بهم، قال في الصحيح [1] :"وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال، ولا على أحد، إذا أتته -يعنى النبى - صلى الله عليه وسلم - صدقة، بعث بها إليهم، ولا يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية، أرسل إليهم، وأصاب منها، وأشركهم فيها."
فالذى حصل: أن القعود في الصُّفَّة لم يكن مقصودًا لنفسه، ولا بناء الصُّفة للفقراء مقصودًا، بحيث يقال: إن ذلك مندوب إليه لمن قدر عليه، ولا هى رتبة شرعية تطلب، بحيث يقال: إن ترك الاكتساب والخروج عن المال والانقطاع إلى الزوايا يشبه حالة أهل الصُّفة، وهى الرتبة العليا، لأنها تَشَبُّه بأهل صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين وصفهم الله تعالى في القرآن بقوله: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم ... } [2] ، وقوله: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } [3] ، فإن ذلك لم يكن على ما زعم هؤلاء، بل كان على ما تقدًّم.
(1) ... رواه البخاري في الرقاق، باب 17، حديث (6452) .
(2) ... الأنعام: 52.
(3) ... الكهف: 28.