الصفحة 19 من 471

وجملة المعنى فيه من جهة وصف الغربة ما ظهر بالعيان والمشاهدة في أول الإسلام وآخره، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل، وفى جاهلية جهلاء، لا تعرف من الحق رسمًا، ولا تقيم به في مقاطع الحقوق حكمًا، بل كانت تنتحل ما وجدت عليه آباءها، وما استحسنته أسلافها، من الآراء المنحرفة والنحل المخترعة، والمذاهب المبتدعة، فحين قام فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فسرعان ما عارضوا معروفه بالنكر، وغيروا في وجه صوابه بالإفك، ونسبوا إليه، إذ خالفهم في الشرعة، ونابذهم في النحلة، كل محال ورموه بأنواع البهتان، فتارة يرمونه بالكذب وهو الصادق المصدوق، الذى لم يجربوا عليه قط خبرًا بخلاف مخبره، وآونة يتهمونه بالسحر، وفى علمهم أنه لم يكن من أهله ولا ممن يدعيه، وكرة يقولون: إنه مجنون مع تحققهم بكمال عقله، وبراءته من مس الشيطان وخبله.

فأبى عليه الصلاة والسلام إلا الثبوت على محض الحق والمحافظة على خالص الصواب، وأنزل الله { قل يا أيها الكافرون . لا أعبد ما تعبدون } إلى آخر السورة.

ثم مازالت الشريعة في أثناء نزولها، وعلى توالى تقريرها، تبعد بين أهلها وبين غيرهم، وتضع الحدود بين حقها وبين ما ابتدعوا.

ومازال عليه الصلاة والسلام يدعوا لها، فيؤوب إليه الواحد بعد الواحد على حكم الاختفاء، وخوفاَ من عادية الكفار، زمان ظهورهم على دعوة الإسلام، فلما أطلعوا على المخالفة أنفوا، وقاموا وقعدوا، فمن أهل الإسلام من لجأ إلى قَبِيلِهِ فحموه على إغماض ومنهم من فر من الإذاية وخوف الغرة، هجرة إلى الله وحبًا في الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت