الصفحة 208 من 471

وإما على جهة الالتزام غير النذري، فكأنه نوع من الوعد، والوفاء بالعهد مطلوب، فكأنه أوجب على نفسه ما لم يوجبه عليه الشرع، فهو تشديد أيضًا، وعليه يأتي ما تقدم من حديث الثلاثة الذين أتوا يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم -: لقولهم: أين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ ... إلخ، وقال أحدهم: أما أنا فأفعل كذا ... إلخ.

ونحوه وقع في بعض الروايات:"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُخبر أن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول: لأقومن الليل ولأصومن النهار ما عشت" [1] ، وليس بمعنى النذر، إذ لو كان كذلك لم يقل له:"صُم من الشهر ثلاثة أيام، صم كذا"، ولقال له: أوفِ بنذرك، لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال:"من نذر أن يطيع الله فليطعه" [2] .

فأما الالتزام بالمعنى النذري فلا بد من الوفاء به وجوبًا لا ندبًا -على ما قاله العلماء- وجاء في الكتاب والسنة ما يدل عليه، وهو مذكور في كتب الفقه، فلا نطيل به.

وأما المعنى الثاني، فالأدلة تقتضي الوفاء به في الجملة، ولكن لا تبلغ مبلغ الإيجاب وإن بلغت مبلغ العتاب على الترك -حسبما دلت عليه الأدلة في مأخذ أبي أمامة رضي الله عنه، للقيام في المسجد جماعة- كان ذلك بصورة النوافل الراتبة المقتضية للدوام في القصد الأول، فأمرهم بالدوام حتى لا يكونوا كمن عاهد ثم لم يوفِ بعهده فيصير معاتبًا، لكن هذا القسم على وجهين:

(1) تقدم قريبًا، وهذه رواية النسائي، وابن حبان (352) وأوسط الطبراني (3859) .

(2) رواه البخاري (6696) وأبو داود (3289) والنسائي في المجتبى (7/17) وفي الكبرى (4748) وابن ماجة (2126) والترمذي (1526) والدارمي (2/184) وابن خزيمة (2241) وابن حبان (4389) والبيهقي في السنن (9/231) ، وفي الشعب (4349) والطبراني في الأوسط (6364) ومالك في الموطأ في النذور، والشافعي (2/74) وأحمد (6/36) من حديث عائشة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت