الوجه الأول: أن يكون في نفسه مما لا يطاق، أو مما فيه حرج أو مشقة فادحة، أو يؤدي إلى تضييع ما هو أولى، فهذه هي الرهبانية التي قال فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -:"من رغب عن سنتي فليس مني"، وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله.
والوجه الثاني: أن لا يكون في الدخول فيه مشقة ولا حرج، ولكنه عند الدوام عليه تلحق بسببه المشقة والحرج، أو تضييع ما هو آكد، فهاهنا أيضًا يقع النهي ابتداءً، وعليه دلت الأدلة المتقدمة. وجاء في بعض روايات مسلم تفسير ذلك، حيث قال: فشدَّدتُ فشُدِّد عليّ، وقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إنك لا تدري لعلك يطول بك عُمُر".
فتأملوا! كيف اعتبر في التزام ما لا يلزم ابتداءً، أن يكون بحيث لا يشق الدوام عليه إلى الموت!.
"قال: فصرتُ إلى الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما كبرت ودِدت أنني قبلت رخصةَ نبي الله - صلى الله عليه وسلم -" [1] .
وعلى ذلك المعنى ينبغي أن يُحمل قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي قتادة رضي الله عنه:"كيف بمن يصوم يومين ويفطر يومًا؟ قال: ويطيق أحد ذلك؟، ثم قال في صوم يوم وإفطار يوم: وددت أني طُوِّقت ذلك" [2] فمعناه -والله أعلم- وددت أني طوقت الدوام عليه، وإلا فقد كان يواصل الصيام ويقول:"إني لست كهيئتكم ، إني أبيت عند ربي ـ يطعمني ويسقيني".
(1) هذا والذي قبله جزء من حديث عبد الله بن عمرو المتقدم تخريجه قريبًا.
(2) رواه مسلم (1162) وابن خزيمة (2111) وأبو داود (2425) وابن ماجة (1713) .