الصفحة 215 من 471

وحين صارت الكراهة هي المقدمة، كان دخوله في العمل لقصد القربة يشبه الدخول فيه بغير أمر، فأشبه المبتدع الداخل في عبادة غير مأمور بها، فقد يستسهل بهذا الاعتبار إطلاق البدعة عليها كما استسهله أبو أمامة رضي الله عنه.

ومن حيث كان العمل مأمورًا به ابتداءً قبل النظر في المآل، أو مع قطع النظر عن المشقة، أو مع اعتقاد الوفاء بالشرط، أشبه صاحبه من دخل في نافلة قصدًا للتعبد بها، وذلك صحيح جارٍ على مقتضى أدلة الندب، ولذلك أُمر بعد الدخول فيه بالوفاء، كان نذرًا، أو التزامًا بالقلب غير نذر، ولو كان بدعة داخلة في حد البدعة، لم يؤمر بالوفاء، ولكان عمله باطلًا.

وأيضًا فإذا كان الداخل مأمورًا بالدوام، لزم من ذلك أن يكون الدخول طاعة بل لا بد، لأن المباح -فضلًا عن المكروه والمحرم- لا يؤمر بالدوام عليه، ولا نظير لذلك في الشريعة، وعليه يدل قوله - صلى الله عليه وسلم -:"من نذر أن يطيع الله فليطعه" [1] ، ولأن الله مدح من أوفى بنذره في قوله سبحانه: { يُوفونَ بالنَّذْرِ } [2] في معرض المدح وترتب الجزاء الحسن.

وفي آية الحديد: { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرَهم } [3] ، ولا يكون الأجر إلا على مطلوب شرعًا.

فتأملوا هذا المعنى! فهو الذي يجري عليه عمل السلف الصالح رضي الله عنهم بمقتضى الأدلة، وبه يرتفع إشكال التعارض الظاهر لبادي الرأي، حتى تنتظم الآيات والأحاديث وسِيَر من تقدم، والحمد لله.

غير أنه يبقى بعدها إشكالان قويَّان، وبالنظر في الجواب عنهما ينتظم معنى المسألة على تمامه، فنعقد في كل إشكال فصلًا.

فصل

( الإشكال الأول:

إن ما تقدم من الأدلة على كراهية الالتزامات التي يشق دوامها معارض بما دل على خلافه:

(1) تقدم تخريجه في هذا الباب.

(2) ... الإنسان: 7.

(3) ... الحديد: 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت