أفسمعت ذلك؟ قال: ما سمعت ذلك، وأنا أرى أنهم قد كذبوا على أبي بكر. وهذا من الضلال أن يسمع المرء الشيء فيقول: هذا شيء لم تسمعه مني، قد فتح الله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى المسلمين بعده، أفسمعت أن أحدًا منهم فعل مثل هذا ؟ إذ ما قد كان في الناس وجرى على أيديهم سمع عنهم فيه شيء، فعليك بذلك فإنه لو كان لذكر، لأنه من أمر الناس الذي قد كان فيهم، فهل سمعت أن أحدًا منهم سجد ؟ فهذا إجماع، وإذا جاءك أمر لا تعرفه فدعه، تمام الرواية.
وقد ظهر من العادات الجارية فيما نحن فيه، أن ترك الأولين لأمر ما من غير أن يعينوا فيه وجهًا مع احتماله في الأدلة الجملية، ووجود المظنة، دليل على أن ذلك الأمر لا يعمل به، وأنه إجماع منهم على تركه.
قال ابن رشد في شرح مسألة العتبية: الوجه في ذلك أنه لم يرد مما شرع في الدين - يعني سجود الشكر - فرضًا ولا نفلًا، إذ لم يأمر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا فعله، ولا أجمع المسلمون على اختيار فعله، والشرائع لا تثبت إلا من أحد هذه الأمور.
قال: واستدلاله على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده، بأن ذلك لو كان لنقل صحيح، إذ يصح أن تتوفر الدواعي على ترك نقل شريعة من شرائع الدين، وقد أمر بالتبليغ.