لأنا نقول: هذا الحسن هل ثبت له أصل أم لا ؟ فإن ثبت فهو مسألتنا كما ثبت الفضل في قيام ليالي رمضان، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام الأثنين والخميس [1] ، فإن لم يثبت فما مستندك فيه؟ العقل لا يحسن ولا يقبح ولا شرع يستند إليه؟ فلم يبق إلا أنه ابتداع في التخصيص، كإحداث الخطب وتحري ختم القرآن في بعض ليالي رمضان.
ومن ذلك: التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل معناه، فإنه من باب وضع الحكمة غير موضعها، فسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها - وهو الغالب - وهو فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق، وإلى العمل بالباطل، وإما لا يفهم منها شيئًا وهو أسلم، ولكن المحدث لم يعط الحكمة حقها من الصون، بل صار في التحدث بها كالعابث بنعمة الله.
ثم إن ألقاها لمن لا يعقلها في معرض الانتفاع بعد تعقلها كان من باب التكليف بما لا يطاق.
وقد قالوا في العالم الرباني: إنه الذي يربي بصغار العلم قبل كباره [2] .
(1) ... انظر أدلة ذلك كله في كتابنا:"عقد المرجان في أحكام رمضان".
(2) ... ذكر ذلك البغوي في تفسير الآية 79 من سورة آل عمران.
وقال الطبري: وأولى الأقوال عندي بالصواب في الربانيين: أنهم جمع رباني، وأن الرباني المنسوب إلى الربان، الذي يرب الناس، وهو الذي يصلح أمورهم، و يربها، ويقوم بها، فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، كان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين يرب أمور الناس، بتعليمه إياهم الخير، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم، وكان كذلك الحكيم التقي لله، والوالي الذي يلي أمور الناس على المنهاج الذي وليه المقسطون من المصلحين أمور الخلق، بالقيام فيهم بما فيه صلاح عاجلهم وآجلهم، وعائدة النفع عليهم في دينهم، ودنياهم، كانوا جميعًا يستحقون أن [يكونوا] ممن دخل في قوله عز وجل: { ولكن كونوا ربانيين } . فالربانيون إذًا، هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا. ولذلك قال مجاهد: وهم فوق الأحبار، لأن الأحبار هم العلماء، و الرباني الجامع إلى العلم والفقه، البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم.