وهذه الجملة شاهدها في الحديث الصحيح مشهور، وقد ترجم على ذلك البخاري فقال: (باب من خصَّ بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا) ، ثم أسند عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال:"حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله"؟. ثم ذكر حديث معاذ الذي أخبر به عند موته تأثمًا، وإنما لم يذكره إلا عند موته لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأذن له في ذلك لما خشي من تنزيله غير منزلته، وعلمه معاذًا لأنه من أهله [1] .
وفي مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" [2] . قال ابن وهب: وذلك أن يتأولوه غير تأويله ويحملوه على غير وجهه.
وخرَّج شعبة عن كثير بن مرة الحضرمي أنه قال:"إن عليك في عملك حقًا كما أن عليك في مالك حقًا، لا تحدث بالعلم غير أهله فتجهل، ولا تمنع العلم أهله فتأثم، ولا تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبوك، ولا تحدث بالباطل عند الحكماء فيمقتوك" [3] .
وقد ذكر العلماء هذا المعنى في كتبهم وبسطوه بسطًا شافيًا والحمد لله.
وإنما نبهنا عليه لأن كثيرًا ممن لا يقدر قدر هذا الموضع يزل فيه فيحدث الناس بما لا تبلغه عقولهم، وهو على خلاف الشرع، وما كان عليه سلف هذه الأمة.
ومن ذلك أيضًا: جميع ما تقدم في فضل السُّنة، التي يكون العمل بها ذريعة إلى البدعة، من حيث إنها عمل بها ولم يعمل بها سلف هذه الأمة.
(1) ... حديث علي رواه البخاري في العلم (127) ، وحديث معاذ -وهو حق الله على العباد، وحق العباد على الله- رواه من حديث أنس (129) ومسلم (30، 32) .
(2) ... رواه مسلم في مقدمة صحيحه: باب: النهي عن الحديث بكل ما سمع.
(3) ... رواه البيهقي في الشعب (1765) والدارمي (1/105) وابن عبد البر في جامع العلم (708) وقال محققه الشيخ الفاضل أبو الأشبال: لا بأس به، له شواهد كثيرة بنحوه تشهد له.