فاعلموا أنه إن ذهب مجتهد إلى عدم سد الذريعة في غير محل النص مما يتضمنه هذا الباب، فلا شك أن العمل الواقع عنده مشروع ويكون لصاحبه أجره.
ومن ذهب إلى سدها -ويظهر ذلك من كثير من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم- فلا شك أن ذلك العمل ممنوع، ومنعه يقتضي بظاهره أنه ملوم عليه، وموجب للذم، إلا أن يذهب إلى أن النهي فيه راجع إلى أمر مجاور، فهو محل نظر واشتباه، ربما يتوهم فيه انفكاك الأمرين، بحيث يصح أن يكون العمل مأمورًا به من جهة نفسه، ومنهيًا عنه من جهة مآله.
ولنا فيه مسلكان:
أحدهما: التمسك بمجرد النهي في أصل المسألة، كقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } [1] ، وقوله تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم } [2] وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام:"نهى عن أن يجمع بين المتفرق، ويفرق المجتمع، خشية الصدقة" [3] .
و"نهى عن بيع السلف" [4] ، وعلَّله العلماء بالربا المتذرع إليه في ضمن السلف.
(1) ... البقرة: 104.
(2) ... الأنعام: 108.
(3) ... رواه من حديث أنس: البخاري (1450) وأبو داود (1567) والنسائي (5/21) وابن خزيمة (2262) وابن حبان (3266) . والمعنى كما قال الشوكاني في"النيل": قال في الفتح: قال مالك في الموطأ: معنى هذا: أن يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة، فيجمعونها حتى لا يجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون للخليطين مائتا شاة وشاة، فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد منهما إلا شاة واحدة.
(4) ... روى أبو داود (3504: حسن) والترمذي (1234) والنسائي (7/288) وفي الكبرى (3204) وابن حبان (4321) من طريق عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا يحل سلف وبيع، ولاشرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك".