فكل عبادة نهى عنها فليست بعبادة، إذ لو كانت عبادة لم ينه عنها، فالعامل بها عامل بغير مشروع، فإذا اعتقد فيها التعبد مع هذا النهي كان مبتدعًا بها.
لا يقال: إن نفس التعليل يشعر بالمجاورة، وإن الذي نهي عنه غير الذي أمربه، وانفكاكهما متصور، لأنا نقول: قد تقرر أن المجاور إذا صار كالوصف اللازم انتهض النهي عن الجملة لا عن نفس الوصف بانفراده، وهو مبين في القسم الثاني.
المسلك الثاني: ما دل في بعض مسائل الذرائع على أن الذرائع في الحكم بمنزلة المتذرع إليه، ومنه ما ثبت في الصحيح من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه ، قالوا: يا رسول الله !وهل يسب الرجل والديه ؟ قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه وأمه" [1] ، فجعل سب الرجل لوالدي غيره بمنزلة سبه لوالديه نفسه، حتى ترجم عنها بقوله:"أن يسب الرجل والديه"ولم يقل: أن يسب الرجل والدي من يسب والديه، أو نحو ذلك، وهو غاية في معنى ما نحن فيه.
(1) ... تقدم تخريجه في نفس الباب. ومن فوائد الحديث: اعتبار سد الذرائع، وحكم ذريعة الشيء يختلف باختلاف ما توصل إليه.