اعلم أنَّا إذا بنينا على أن البدع منقسمة إلى الأحكام الخمسة، فلا إشكال في اختلاف رتبها، لكنا لا نبسط القول في هذا التقسيم، فقد تقدَّم أنه غير صحيح [1] ، فلا فائدة في التفريع على ما لا يصح.
فإذا خرج عن هذا التقسيم ثلاثة أقسام: قسم الوجوب، وقسم الندب، وقسم الإباحة، انحصر النظر فيما بقى [2] ، وهو الذى ثبت من التقسيم، غير أنه ورد النهى عنها على وجه واحد، ونسبته إلى الضلالة واحدة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) [3] .
فيقع السؤال: هل لها حكم واحد أم لا؟ فنقول:
ثبت في الأصول أن الأحكام الشرعية خمسة، نخرج عنها الثلاثة، فيبقى حكم الكراهية وحكم التحريم، فاقتضى النظر انقسام البدع إلى القسمين، فمنها بدعة محرمة، ومنها بدعة مكروهة، وذلك أنها داخلة تحت جنس المنهيات، لا تعدو الكراهة والتحريم، فالبدع كذلك، هذا وجه.
ووجه ثان: أن البدع إذا تُؤمِّل معقولها، وجدت رتبها متفاوته:
فمنها ما هو كفر صراح، كبدعة الجاهلية التى نبَّه عليها القرآن، كقوله تعالى: { وجعلوا لله ممَّا ذَرَأ منَ الحَرْث والأنْعام نَصيبًا فَقَالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ... } الآية [4] ، وقوله تعالى: { وقالوا مَا في بُطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء } [5] ، وقوله تعالى: { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام } [6] ، وكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال، وما أشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح.
(1) ... راجع الباب الثالث ص170.
(2) ... وهو الكراهة والتحريم.
(3) ... الأنعام: 136.
(4) ... الأنعام: 136.
(5) ... الأنعام: 139.
(6) ... المائدة: 193.