وإذا نظرت في مرتبة النفس، تباينت المراتب، فليس قطع العضو كالذبح، ولا الخدش كقطع العضو، وهذا كله محل بيانه الأصول.
وإذا كان كذلك، فالبدع من جملة المعاصى، وقد ثبت التفاوت في المعاصى، فكذلك يتصور مثله في البدع، فمنها ما يقع في الضروريات (أى أنه إخلال بها) ، ومنها ما يقع في رتبة الحاجيات، ومنها ما يقع في رتبة التحسينيات.
وما يقع في رتبة الضروريات، منه ما يقع فى: الدين، أو النفس، أو النسل، أو العقل، أو المال:
فمثال وقوعه في الدين:
ما تقدم من اختراع الكفار وتغييرهم ملة إبراهيم عليه السلام، من نحو قوله تعالى: { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام } [1] .
وحاصل ما في هذه الآية تحريم ما أحل الله على نية التقرب به إليه، مع كونه حلالًا بحكم الشريعة المتقدمة.
ولقد همَّ بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحرموا على أنفسهم ما أحلَّ الله، وإنما كان قصدهم بذلك الانقطاع إلى الله عن الدنيا وأسبابها وشواغلها، فرد ذلك عليهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأنزل الله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } [2] .
ومثال ما يقع في النفس:
ما ذكر من نحل الهند في تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب الشنيع والتمثيل الفظيع، والقتل بالأصناف التى تفزع منها القلوب وتقشعرُّ منها الجلود، كل ذلك على جهة استعجال الموت لنيل الدرجات العلى -فى زعمهم- والفوز بالنعيم الأكمل بعد الخروج عن هذه الدار العاجلة، ومبنى ذلك على أصول لهم فاسدة اعتقدوها وبنوا عليها أعمالهم.
(1) ... المائدة: 103.
(2) ... المائدة: 87.