الصفحة 322 من 471

وهذا نص في أن هؤلاء الذين استحلوا هذه المحارم كانو متأولين فيها، حيث زعموا أن الشراب الذى شربوه ليس هو الخمر، وإنما له اسم آخر، إما النبيذ أو غيره، وإنما الخمر عصير العنب النئ، وهذا رأى طائفة من الكوفيين، وقد ثبت أن (كل مسكر خمر) [1] .

قال بعضهم: وإنما أتى على هؤلاء، حيث استحلوا المحرمات بما ظنوه من انتفاء الاسم، ولم يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرم وثبوته. قال: وهذه بعينها شبهة اليهود في استحلالهم أخذ الحيتان يوم الأحد بما أوقعوها به يوم السبت في الشباك والحفائر من فعلهم يوم الجمعة، حيث قالوا: ليس هذا بصيد ولا عمل يوم السبت.

فإذا كان هؤلاء المذكورون في الحديث إنما شربوا الخمر استحلالًا لها، لما ظنوا أن المحرم مجرد ما وقع عليه اللفظ، وظنوا أن لفظ الخمر لا يقع على غير عصير العنب النيئ، فشبهتهم في استحلال الحرير والمعازف أظهر، وليس في هذا النوع من دلائل التحريم ما في الخمر، فظهر ذم الذين يخسف بهم ويمسخون، إنما فُعل ذلك بهم من جهة التأويل الفاسد الذى استحلوا به المحارم بطريق الحيلة، وأعرضوا عن مقصود الشارع وحكمته في تحريم هذه الأشياء.

(1) ... رواه من حديث ابن عمر مسلم (2003) الترمذي (1861) وأبو داود (3979) والنسائي (8/297) وابن ماجة (3390) وابن حبان (5366) والدارقطني (4/248) والبيهقي (8/388) .

تنبيه: كونهم يسمونها بغير اسمها ليس دليلًا على أنهم متأولون، بل قد يكون فيه دليل على أنهم مخادعون مضللون يسمونها بغير اسمها حتى لا يقال أنهم يشربون الخمر، فتغييرهم للاسم حيلة مكشوفة كحيلة اليهود في الصيد يوم السبت، كما ذكر المصنف بعد ذلك، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت