الصفحة 324 من 471

وأما كون الزكاة مغرمًا، فالمغرم ما يلزم أداؤه من الديون والغرامات، كان الولاة يلزمونها الناس بشىء معلوم من غير نظر إلى قلة مال الزكاة أو كثرته أو قصوره عن النصاب أو عدم قصوره، بل يأخذونهم بها على كل حال إلى الموت، وكون هذا بدعة ظاهر.

وأما ارتفاع الأصوات في المساجد، فناشئ عن بدعة الجدال في الدين، فإنه غير مشروع في الأصل، فقد جعل العلماء من عقائد الإسلام ترك المراء والجدال في الدين، وهو الكلام فيما لم يؤذن في الكلام فيه، كالكلام في المتشابهات من الصفات والأفعال وغيرهما [1] ، وكمتشابهات القرآن، ولأجل ذلك جاء في الحديث عن عائشة رضى الله عنها: أنها قالت:"تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية: { هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات } [2] ، قال:"فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله، فاحذروهم" [3] ."

والكلام في ذم الجدال كثير، فإذا كان مذمومًا، فمن جعله محمودًا وعده من العلوم النافعة بإطلاق، فقد ابتدع في الدين، ولما كان اتباع الهوى أصل الابتداع، لم يعدم صاحب الجدال أن يمارى ويطلب الغلبة، وذلك مظنة رفع الأصوات.

فإن قيل: عددت رفع الأصوات من فروع الجدال وخواصه، وليس كذلك، فرفع الأصوات قد يكون في العلم، ولذلك كره رفع الأصوات في المسجد، وإن كان في العلم أو في غير العلم.

قال ابن القاسم فى"المبسوط": رأيت مالكًا يعيب على أصحابه رفع أصواتهم في المسجد.

وعلل ذلك محمد بن مسلمة بعلتين:

إحداهما: أنه يحبُّ أن ينزه المسجد عن مثل هذا، لأنه مم أمر بتعظيمه وتوقيره.

(1) ... يقصد صفات الباري جل وعلا، وينظر لزامًا ما تقدم من التنبيه على عقيدة الشاطبي رحمه الله ص91.

(2) ... آل عمران: 7.

(3) ... رواه من حديث عائشة مسلم (2665) والترمذي (2994) والدارمي (1/55) وابن حبان (73) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت