فلما كان هذا الموضع مذلة قدم لأهل البدع أن يستدلوا على بدعتهم من جهته، كان الحق المتعين النظر في مناط الغلط الواقع لهؤلاء، حتى يتبين أن المصالح المرسلة ليست من البدع في ورد ولا صدر، بحول الله، والله الموفق.
فنقول: المعنى المناسب الذى يربط به الحكم لا يخلو من ثلاثة أقسام:
(أحدها) : أن يشهد الشرع بقبوله، فلا إشكال في صحته، ولا خلاف في إعماله، وإلا كان مناقضة للشريعة، كشريعة القصاص حفظًا للنفوس والأطراف وغيرها.
(والثانى) : ما شهد الشرع برده، فلا سبيل إلى قبوله، باتفاق المسلمين.
(الثالث) : ما سكتت عنه الشواهد الخاصة، فلم تشهد باعتباره ولا بإلغائه، فهذا على وجهين:
أحدهما: أن لا يرد نص على وفق ذلك المعنى، كتعليل منع القتل للميراث، بالمعاملة بنقيض المقصود على تقدير أن لم يرد نص على وفقه، فإن هذه العلة لا عهد بها في تصرفات الشرع بالفرض ولا بملائمها بحيث يوجد له جنس معتبر، فلا يصح التعليل بها، ولا بناء الحكم عليها باتفاق، ومثل هذا تشريع من القائل به، فلا يمكن قبوله.
والثانى: أن يلائم تصرفات الشرع، وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشرع في الجملة بغير دليل معين، وهو الاستدلال المرسل، المسمى بالمصالح المرسلة، ولابد من بسطه بالأمثلة حتى يتبين وجهه بحول الله.
ولنقتصر على عدة أمثلة:
أحدها: أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتفقوا على جمع المصحف، وليس ثم نص على جمعه وكتبه أيضًا، بل قد قال بعضهم: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟