وإذا استقام هذا الأصل، فاحمل عليه كَتْب العلم من السنن وغيرها إذا خيف عليها الاندراس، زيادة على ما جاء في الأحاديث من الأمر بكَتْب العلم [1] .
وأنا ارجوا أن يكون كتب هذا الكتاب الذى وضعت يدى فيه من هذا القبيل، لأنى رأيت باب البدع في كلام العلماء مُغْفَلًا جدًا، إلا من النقل الجلى، كما نقل ابن وضاح، أو يؤتى بأطراف من الكلام لا يشفى الغليل بالتفقه فيه كما ينبغى، فلم أجد على شدة بحثى عنه إلا ما وضع فيه أبو بكر الطرطوشى، وهو يسير في جنب ما يحتاج إليه فيه، وإلا ما وضع الناس في الفرق الثنتين والسبعين، وهو فصل من فصول الباب وجزء من أجزائه فأخذت نفسى بالعناء فيه، عسى أن ينتفع به واضعه وقارئه وناشره وكاتبه والمنتفع به وجميع المسلمين، إنه ولى ذلك ومسديه بسعة رحمته.
المثال الثانى: أن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصُناع.
قال على رضى الله عنه: لا يصلح الناس إلا ذاك.
ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصُّنَّاع، وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم، لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك، بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة التضمين. هذا معنى قوله:"لا يصلح الناس إلا ذاك".
ولا يُقال: إن هذا نوع من الفساد، وهو تضمين البريء، إذ لعله ما أفسد ولا فرط، فالتضمين مع ذلك كان نوعًا من الفساد!
(1) ... مثل حديث (اكتبوا لأبى شاه) وهو متفق عليه وتقدم ص168.