فأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة، بل سنة بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله في الجماعة، ولا صلاتها في الجماعة بدعة، بل هى سنة في الشريعة، بل قد صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجماعة، في أول شهر رمضان ثلاث ليال، وقال في الرابعة: (أما بعد: فإنه لم يخف علىّ مكانكم، ولكنى خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها) [1] .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فعلَّلَ - صلى الله عليه وسلم - عدم الخروج بخشية الافتراض، فعلم بذلك أن المقتضى للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم، فلما كان في عهد عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- جمعهم على قارئ واحد، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة، وهى اجتماعهم في المسجد وعلى إمام واحد مع الإسراج عملًا لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمى بدعة، لأنه في اللغة يسمى بذلك، ولم يكن بدعة شرعية، لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح، لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض زال بموته - صلى الله عليه وسلم - فانتفى المعارض.
وأما قول عمر -رضى الله عنه-:"نعمت البدعة هذه"فأكثر المحتجِّين بهذا لو أردنا أن نثبت حكمًا بقول عمر -رضى الله عنه- الذى لم يخالف فيه، لقالوا: قول الصاحب ليس بحجة، فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة، فلا يعتقده إذا خالف الحديث.
وتسمية عمر -رضى الله عنه- صلاة التراويح بدعة، تسمية لغوية، لا تسمية شرعية، لأن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق [2] .
(1) ... رواه البخارى في صحيحه المطبوع مع فتح البارى (4/251) ، كتاب صلاة التراويح، حديث (2012) وفى مواضع أخرى، ورواه مسلم في صحيحه (1/524) كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم (761) (178) .
(2) ... اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية (2/588 - 591) .