ومن جهة المعنى، إنا وإن قلنا: إنهم متبعون للهوى ولما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فإنهم ليسوا بمتبعين للهوى بإطلاق، ولا متبعين لما تشابه من الكتاب من كل وجه، ولو فرضنا أنهم كذلك، لكانوا كفارًا، إذ لا يتأتى ذلك من أحد في الشريعة إلا مع رد محكماتها عنادًا، وهو كفر، وأما من صدق بالشريعة ومن جاء بها وبلغ فيها مبلغًا يظن به أنه متبع للدليل بمثله، لايقال فيه: إنه صاحب هوى بإطلاق، بل هو متبع للشرع في نظره، لكن بحيث يمازجه الهوى في مطالبه، من جهة إدخال الشبه في المحكمات بسبب اعتبار المتشابهات، فشارك أهل الهوى في دخول الهوى في نحلته، وشارك أهل الحق في أنه لايقبل إلا ما دل عليه الدليل على الجملة.
وأيضًا، فقد ظهر منهم اتحاد القصد مع أهل السنة على الجملة في مطلب واحد، وهو الانتساب إلى الشريعة، ومن أشد مسائل الخلاف -مثلًا- مسألة إثبات الصفات، حيث نفاها من نفاها، فإنا إذا نظرنا إلى مقاصد الفريقين، وجدنا كل واحد منهما حائمًا حول حمى التنزيه ونفى النقائص وسمات الحدوث، وهو مطلوب الأدلة، وإنما وقع اختلافهم في الطريق، وذلك لا يخل بهذا القصد في الطرفين معًا، فحصل في هذا الخلاف أشبه الواقع بينه وبين الخلاف الواقع في الفروع.
وأيضًا، فقد يعرض الدليل على المخالف منهم، فيرجع إلى الوفاق، لظهوره عنده، كما رجع من الحريرية الخارجين على علىّ رضى الله عنه ألفان [1] ، وإن كان الغالب عدم الرجوع، كما تقدم في أن المبتدع ليس له توبة.
فصلٌ [مسائل حديث الافتراق]
صحَّ من حديث أبى هريرة رضى الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتتفرق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة) [2] .
فإذا تقرر هذا، تصدى النظر في الحديث في مسائل:
1-إحداها: في حقيقة هذا الافتراق
(1) ... تقدَّم: ص156.
(2) ... تقدم تخريجه: ص 22، 142، 383.