الصفحة 372 من 471

وهو يحتمل أن يكون افتراقًا على ما يعطيه مقتضى اللفظ، ويحتمل أن يكون مع زيادة قيد لا يقتضيه اللفظ بإطلاقه، ولكن يحتمله، كما كان لفظ الرقبة بمطلقها ولا يشعر بكونها مؤمنة أو غير مؤمنة، لكن اللفظ يقبله.

فلا يصح أن يُراد مطلق الافتراق، بحيث يطلق صور لفظ الاختلاف على معنى واحد، لأنه يلزم أن يكون المختلفون في مسائل الفروع داخلين تحت إطلاق اللفظ، وذلك باطل بالإجماع.

وإنما يُراد افتراق مقيد، وإن لم يكن في الحديث نص عليه، ففى الآيات ما يدل عليه: قوله تعالى: { ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون } [1] ، وقوله تعالى: { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شىء } [2] ، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على التفرق الذى صاروا به شيعًا، ومعنى"صاروا شيعًا"، أى جماعات بعضهم قد فارق البعض، ليسوا على تألف ولا تعاضد وتناصر، بل على ضد ذلك، فإن الإسلام واحد، وأمره واحد، فاقتضى أن يكون حكمه على الائتلاف التام لا على الاختلاف.

وأما إذا تعلق كل شيعة بحبل غير ما تعلقت به الأخرى، فلابد من التفرق، وهو معنى قوله تعالى: (وأن هذا صراطى مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) [3] .

وإذا ثبت هذا، نُزل عليه لفظ الحديث، واستقام معناه، والله أعلم.

2-المسألة الثانية

أن هذه الفرق إن كانت افترقت بسبب موقعٍ في العداوة والبغضاء، فإما أن يكون راجعًا إلى أمر هو معصية غير بدعة، وإما أن يرجع إلى أمر هو بدعة، كما افترق الخوارج من الأمة ببدعهم التى بنوا عليها في الفرقة، وكالمهدى المغربى الخارج عن الأمة نصرًا للحق في زعمه، فابتدع أمورًا سياسية وغيرها خرج بها عن السنة، كما تقدمت الإشارة إليه قبل، وهذا هو الذى تشير إليه الآيات المتقدمة والأحاديث، لمطابقتها لمعنى الحديث.

وإما أن يراد المعنيان معًا.

(1) ... الروم: 31:32.

(2) ... الأنعام: 159.

(3) ... الأنعام: 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت