فأما الأول، فلا أعلم قائلًا به -وإن كان ممكنًا في نفسه-، إذ لم أر أحدًا خص هذه بما إذا افترقت الأمة بسبب أمر دنياوى لا بسبب بدعة، وليس ثم دليل على التخصيص، لأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من فارق الجماعة قيد شبر ... ) الحديث، لا يدل على الحصر، وكذلك (إذا بويع الخليفتان، فاقتلوا الآخر منهما) [1] .
وأما الثالث، وهو أن يراد المعنيان معًا، فذلك أيضًا ممكن، إذ الفُرقة المنبه عليها قد تحصل بسبب أمر دنياوى لا مدخل فيها للبدع، وإنما هى معاص ومخالفات كسائر المعاصى.
وإلى هذا المعنى يرشد قول الطبرى في تفسير الجماعة -حسبما يأتى بحول الله-.
ويعضده حديث الترمذى: (ليأتين على أمتى من يصنع ذلك) [2] ، فجعل الغاية في اتباعهم ما هو معصية كما ترى.
(1) ... حديث: من فارق: تقدم تخريجه: ص 410.
وحديث: إذا بويع: رواه من حديث أبي سعيد مسلمٌ (1853) والبيهقي (8/144) ، ومن حديث أبي هريرة البزارُ، ومن حديث ابن الزبير الطبرانيُ كما في مجمع الزوائد (5/198) .
(2) ... رواه الترمذي (2641) عن عبد الرحمن بن زياد الأفريقي عن عبد الله بن يزيد عن
عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: ومن هي يا رسول الله ؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي". قال أبو عيسى: هذا حديث مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه. ورواه محمد بن نصر المروزي في السنة ص59، وأبو نعيم في الحلية (9/424) والحاكم (1/129) وضعفه، والآجري في الشريعة، وحسنه الألباني في السنن، وضعفه محققوا مسند الرسالة (19/242) بعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي. وسيأتي تناول المصنف لهذه الرواية من حديث الافتراق في المسألة التاسعة.