وكذلك في الحديث الآخر: (لتتبعن سنن من كان قبلكم -إلى قوله- حتى لو دخلوا جحر خرب، لأتبعتموهم) [1] ، فجعل الغاية ما ليس ببدعة.
وفى"معجم البغوى"عن جابر (رضى الله عنه) : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لكعب بن عجرة (رضى الله عنه) : (أعاذك الله يا كعب بن عجرة من إمارة السفهاء) . قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: (أمراء يكونون بعدى، لا يهتدون بهديى، ولا يستنون بسنتى، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا منى، ولست منهم، ولا يردون على الحوض، ومن لم يصدقهم على كذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك منى، وأنا منهم، وسيردون على الحوض ... ) الحديث [2] .
وكل من لا يهتدى بهديه ولا يستن بسنته، فإما إلى بدعة أو معصية، فلا اختصاص بأحدهما.
غير أن الأكثر في نقل أرباب الكلام وغيرهم أن الفرقة المذكورة إنما هى بسبب الابتداع في الشرع على الخصوص، وعلى ذلك حمل الحديث من تكلم عليه من العلماء، ولم يعدوا منها المفترقين بسبب المعاصى التى ليست ببدع، وعلى ذلك يقع التفريع إن شاء الله.
3-المسألة الثالثة
أن هذه الفرق تحتمل من جهة النظر أن يكونوا خارجين عن الملة بسبب ما أحدثوا، فهم قد فارقوا أهل الإسلام بإطلاق، وليس ذلك إلا الكفر، إذ ليس بين المنزلتين منزلة ثالثة تتصور.
ويدل على هذا الاحتمال ظواهر من القرآن والسنة:
(1) ... تقدم تخريجه: ص 22، 237.
(2) ... صحيح: رواه أحمد (3/321) وابن حبان (4514) والحاكم (3/479، 4/422) وعبد الرزاق (20719) والبيهقي في الشعب (5761) . ورواه من حديث كعب بن عجرة الترمذي (614) والنسائي (7/160) وفي الكبرى (7830) والحاكم (1/78) وابن حبان (285) والطبراني في الكبير (19/212) ، ومن حديث خباب ابن حبان (284) ، ومن حديث أبي سعيد ابن حبان (286) . ومن حديث جابر بن سمرة الحاكم (4/126) . وانظر في الباب: مجمع الزوائد (5/247) من حديث ابن عمر عند أحمد والبزار، ومن حديث النعمان بن بشير عند أحمد.