والمرجئى يحتج بقوله: (من قال لا إله إلا الله مخلصًا، فهوى في الجنة وإن زنى وإن سرق) [1] .
والمخالف له محتج بقوله: (لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن) [2] .
والقدرى يحتج بقوله تعالى: { فطرت الله التى فطر الناس عليها } [3] ، وبحديث: (كل مولود يولد على الفطرة ... ) [4] .
(1) ... رواه من حديث أبي ذر: البخاري (1237) ومسلم (94) والترمذي (2644) وابن حبان (169) والنسائي في الكبرى (6/276) ، ورواه أحمد والطبراني والبزار من حديث أبي الدرداء، ورواه أحمد والطبراني من حديث سلمة بن نعيم الأشجعي، كما في مجمع الزوائد (1/16، 17 - 7/118) .
(2) ... رواه من حديث أبي هريرة: البخاري (2475) ومسلم (57) والترمذي (2625) والدارمي (2/115) وأبو داود (4689) والنسائي (8/64) وابن ماجة (3936) وابن حبان (186) ، ورواه النسائي (8/63) من حديث ابن عباس، ورواه أحمد والطبراني من حديث ابن أبي أوفي، وروياه من حديث ابن عمر، ورواه أحمد والبزار من حديث عائشة، والطبراني من حديث عبد الله بن مغفل، ورواه في الأوسط والبزار من حديث أبي سعيد، ورواه في الأوسط من حديث علي كما في مجمع الزوائد (1/100) .
(3) ... الروم: 30.
(4) ... رواه من حديث أبي هريرة: مسلم (57) والبخاري (1385) والترمذي (2138) وأبو داود (4714) وابن حبان (128) ، ومن حديث جابر عند أحمد (3/353) وإسناد أحمد ضعيف، وانظر مجمع الزوائد (7/218) .
ثم روى أبو داود (4715) عقب هذا الحديث بسنده: ... أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت مالكًا قيل له: إن أهل الأهواء يحتجون علينا بهذا الحديث! قال مالك: احتج عليهم بآخره، قالوا: أرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين.
قال ابن القيم: سبب اختلاف العلماء في معنى الفطرة في هذا الحديث أن القدرية كانوا يحتجون به على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله، بل مما ابتدأ الناس إحداثه، فحاول جماعة من العلماء مخالفتهم بتأويل الفطرة على غير معنى الإسلام، ولا حاجة لذلك لأن الآثار المنقولة عن السلف تدل على أنهم لم يفهموا من لفظ الفطرة إلا الإسلام، ولا يلزم من حملها على ذلك موافقة مذهب القدرية، لأن قوله: فأبواه يهودانه الخ محمول على أن ذلك يقع بتقدير الله تعالى، ومن ثم احتج عليهم مالك بقوله في آخر الحديث: الله أعلم بما كانوا عاملين.
وقال ابن القيم: ليس المراد بقوله: يولد على الفطرة، أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين، لأن الله يقول { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا } ولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار والمحبة، وليس المراد مجرد قبول الفطرة لذلك، لأنه لا يتغير بتهويد الأبوين مثلًا بحيث يخرجان الفطرة عن القبول، وإنما المراد أن كل مولود يولد على إقراره بالربوبية، فلو خلي وعدم المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره، كما انه يولد على محبة ما يلائم بدنه من إرتضاع اللبن حتى يصرفه عنه الصارف، ومن ثم شبهت الفطرة باللبن بل كانت إياه في تأويل الرؤيا والله أعلم. (عن فتح الباري 3/293، 294 وعون العبود 12/321) .