ما جاء في ذم البدع وأهلها عن الصوفية المشهورين عند الناس، وإنما خصصنا هذا الموضع بالذكر وإن كان فيما تقدم من النقل كفاية، لأن كثيرًا من الجهال يعتقدون فيهم أنهم متساهلون في الاتباع، وأن اختراع العبادات والتزام ما لم يأت في الشرع التزامه مما يقولون به ويعملون عليه. وحاشاهم في ذلك أن يعتقدوه أو يقولوا به، فأول شىء بنوا عليه طريقتهم: اتباع السنة واجتناب ما خالفها حتى زعم مذكرهم وحافظ مأخذهم، وعمود نحلتهم، (أبو القاسم القشيرى) أنهم إنما اختصوا باسم التصوف انفرادًا به عن أهل البدع، فذكر أن المسلمين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يتسمَّ أفاضلهم في عصرهم باسم علم سوى الصحبة إذ لا فضيلة فوقها، ثم سمى من يليهم التابعين، ورأوا هذا الاسم أشرف الأسماء، ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن له شدة عناية من الدين: الزهاد والعباد. قال: ثم ظهرت البدع وادعى كل فريق أن فيهم زهادًا وعبادًا فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله الحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم التصوف [1] . هذا معنى كلامه، فقد عدَّ هذا اللقب مخصوصًا باتباع السنة ومباينة البدعة، وفى ذلك ما يدل على خلاف ما يعتقده الجهال ومن لا عبرة به من المدعين للعلم.
(1) ... بدأ الشيخ يذكر أقوالًا من أقوال العلماء العبَّاد الزهاد الذين ينتسبون إلى الصوفية، وواضح كما قال الشيخ أن الخلل والبدع أتت ممن بعدهم، وقطعًا من في زماننا هذا أشد خللًا وأشد ابتداعًا وبعدًا عن الصراط المستقيم.