وفى غرضى إن فسح الله المدة وأعاننى بفضله ويسر لى الأسباب أن أُلخص في طريقة القوم أنموذجًا يستدل به على صحتها وجريانها على الطريقة المثلى، وأنه إنما داخلتها المفاسد وتطرقت إليها البدع من جهة قوم تأخرت أزمانهم عن عهد ذلك السلف الصالح، وادعوا الدخول فيها من غير سلوك شرعى ولا فهم لمقاصد أهلها وتقولوا عليهم ما لم يقولوا به، حتى صارت في هذا الزمان الأخير كأنها شريعة أخرى غير ما أُتى به محمد - صلى الله عليه وسلم - .
فقد قال الفضيل بن عياض [1] : من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة.
وقال ذو النون المصرى: من علامة حب الله متابعة حبيب الله - صلى الله عليه وسلم - في أخلاقه وأفعاله وأمره وسنته. وقال: إنما دخل الفساد على الخلق من ستة أشياء: ... الأول: ضعف النية بعمل الآخرة.
الثانى: صارت أبدانهم مهيئة لشهواتهم.
الثالث: غلبهم طول الأمل مع قصر الأجل.
الرابع: آثروا رضاءَ المخلوقين على رضاء الله.
الخامس: اتبعوا أهواءهم ونبذوا سنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - .
السادس: جعلوا زلات السلف حجة لأنفسهم ودفنوا أكثر مناقبهم.
وقال أبو على الحسن بن على الجوزجانى: من علامات السعادة على العبد تيسير الطاعة عليه، وموافقة السنة في أفعاله، وصحبته لأهل الصلاح، وحسن أخلاقه مع الإخوان، وبذل معروفة للخلق واهتمامه للمسلمين، ومراعاته لأوقاته.
(1) ... هو الإمام القدوة الثبت شيخ الإسلام المجاور بحرم الله ولد بسمرقند ونشأ بأبيورد وارتحل في طلب العلم، وكان في بدايته شاطرًا يقطع الطريق، ثم سمع قوله تعالى { ألم يأن للذين أمنوا أن تخشع قلوبهم } فقال: بلى يارب قد آن، اللهم إنى قد تبت إليك وجعلت توبتى مجاورة البيت الحرام. وكان ثقة نبيلًا فاضلًا عابدًا ورعًا، وثقه وزكاه جمهور العلماء، وقال فيه ابن المبارك: ما بقى على ظهر الأرض عندى أفضل من الفضيل بن عياض. مات بمكة سنة 187هـ في خلافة هارون الرشيد. (بتصرف عن سير أعلام النبلاء 8/421) .