اليقين ,ومع ذلك يكون كافرا ,كما كفر أبليس مع ما معه من تصديق ,قال الله تعالى"إلاّ إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين""قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقتني من طين""قال فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم""قال بعزتك لأغوينّهم أجمعين إلاّ عبادك المخلصين""قال ربّي فأنظرني إلى يوم يبعثون"فكما يتبيّن من هذه الآيات الكريمات ,فإبليس كان من أشدّ النّاس تصديقا ,وكان من المقرّبين ,ورأى الله سبحانه رأي العين, واعترف لله بربوبيته وبالخلق , ويصدّق بيوم البعث فهو حتما لم يكن مكذبّا , ولم يكن كفره من جهة التكذيب كما تصرّ بعض فرق الزّيغ والضلال ,و إنّما كان كفره من جهة الإيستكبار وعدم الإنقياد لشرع الله , وهذا مناط آخر غير التّكذيب ,كما صرّحت الآية الكريمة. وكذلك اليهود كانوا مصدّقين بنبوّة محمد عليه الصّلاة والسّلام ,وكانوا يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ,ومنهم من أقرّ لرسول الله بالنبوّة والرّسالة ,ولم يدخله ذلك في الإيمان ,لعدم انقياده لحكم الله ,ولإعراضه عن العمل بشريعة الإسلام ,قال الله تعالى"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون آبنائهم"فاليهود يعرفون محمّد عليه الصّلاة والسّلام ويعرفون صفاته حقّ المعرفة ,أكثر من معرفة أبنائهم ,وهذا عين التّصديق ,وعدم التّكذيب ,لكنّهم كانوا كافرين ,لبغضهم أن يكون نبيّ من غير بني إسرائيل ,ولعدم انقيادهم لما يعرفونه في قلوبهم أنّه الحقّ ,الذي يجب أن يتّبع. فبغض دين الإسلام مع التّصديق في القلب إلى درجة اليقين كفر أكبر مخرج من الملّة , وعدم الإنقياد لشرع الله مع العلم بصدق خبر الرّسول كفر ,قال الله تعالى"و إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله والرّسول رأيت المنافقين يصدّون عنك صدودا"فالصدّ عن دين الله , والإعراض عنه ,عمل من الأعمال وهو كفر من عمل المنافقين ,وقال تعالى"ويقولون آمنّا بالله وبالرّسول وأطعنا ثم يتولّى فريق من بعد ذلك وما أولائك بالمؤمنين"نفى الله عنهم الإيمان لتولّيهم عن الخضوع لشرع الله ,وليس لما في قلوبهم من تكذيب أو استحلال ,والذي يقول بهذا يخالف قول الرّسول عليه الصّلاة والسّلام"لم نؤمر أن نشقّ على قلوبهم"وهؤلاء يشترطون الغوص في قلوب النّاس ,لمعرفة هل هم مؤمنون أم كافرون. وقال تعالى عن فرعون"وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوّا"فيقينهم في قلوبهم أنّ دين موسى عليه السّلام هو الحقّ الذي يجب اتّباعه ,لكن مناط كفره كان من جهة الإستكبار عن الخضوع لدين موسى ,والتّنازل عن بعض السّلطات التي يعبّد بها النّاس ,قال الله تعالى حاكيا عن فرعون"ما أريكم إلاّ ما أرى وما أهديكم إلاّ سبيل الرّشاد"فخوف فرعون عن ملكه وعن ضياع سلطانه ,كان من أقوى الدّوافع التي منعته من الإنقياد لدين موسى عليه السّلام فجحد بالقول والفعل الظاهر مع اليقين في القلب ,وليس لتكذيب في القلب. وهذا ردّ قويّ على الذين يحصرون الجحود في القلب ,مع أنّ الجحود أضلا لا يكون إلاّ بالظاهر , كقوله تعالى"فإنّهم لا يكذّبونك ولكنّ الظالمين بآيات الله يجحدون"ففرّق الله سبحانه بين الجحود الذي يكون ظاهرا بالقول والفعل