بأنظمتهم الجاهلية العفنة ,فهم كافرون بذلك , ولم يرخّص الله لهم الدّخول في الكفر بعد القهر والقتال ,إلاّ في حالة الإكراه ,وهو أن يكون تحت سلطانهم وقهرهم ويخاف على نفسه من أذى قد يصيبه ,فله أن يوافقهم على دينهم ,شرط بغض ذلك بقلبه ,فما بالك بالذين يوافقون المشركين حبّا ممّا عندهم من مناصب ومال وملذّات دنيوية هابطة ,فهم أحقّ بالكفر من هؤلاء ,فتأمّل
قال الله سبحانه وتعالى"يا أيّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم و أنتم لا تشعرون"فتأمّل يا أخي كيف جعل الله سبحانه وتعالى رفع الصّوت, وهو عمل من الأعمال , فوق صوت النبيّ مدعاة لحبوط العمل ,وتأمّل أخي قوله تعالى"وأنتم لا تشعرون"أي وهم غير قاصدين الخروج من دين الله ,وغير مستحلّين له ,وغير قاصدين الكفر ,كما يشترط بعض غلاة المرجئة في عصرنا هذا ,فعدم شعورهم بالكفر ,دليل على عدم قصدهم له ,ولو كانوا يشعرون ذلك لكانوا جاحدين له
قال الله تعالى في بيان أنّ الكفر يكون بالقول والفعل مع وجود التّصديق القلبي"وقد نزّل غليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزء بها فلا تقعدوا معهم حتّى يخوضوا في حديث غيره ,إنّكم إذا مثلهم"فالجلوس مع الطّاعنين في دين الله المستهزئين بآياته كفر مجرّد عن الإعتقاد والإستحلال القلبي, والمرجئة تخبّطت كثيرا في هذا الموضع, سواء مرجئتها أم غلاتها ,مع أنّ فقهائها كانوا أهون في استدلالهم على الكفر ,فحكموا على من ارتكب عملا كفريا بالكفر ,وعلّلوا ذلك الكفر الظاهر على انتفاء التّصديق ,مع أنّه لا تلازم بينهما ,فقد يكون الرّجل مصدّقا ومع ذلك يكون كافرا ,كما بيّنا في ما سبق ,وفساد قولهم هذا راجع إلى أنّ الكفر لا يكون إلاّ بالتّكذيب ,لأنّ الإيمان هو التّصديق.
قال الله تعالى"قل أبالله و آياته كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم"
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى 7/ 272
"فقد أخبر أنّهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم إنّا تكلمنا بالكفر من غير إعتقاد له ,بل كنّا نخوض ونلعب ,وقول من يقول عن مثل هذه الآيات"إنّهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أوّلا بقلوبهم لا يصح ,لأنّ الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر ,فلا يقال"قد كفرتم بعد إيمانكم ,فإنّهم لا يزالون كافرين في نفس الأمر ,و إن أريد أنّكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان ,فهم لم يظهروا"