للنّاس إلاّ لخواصهم وهم مع خواصهم ما زالوا هكذا ,بل لمّا نافقوا وحذروا أن تنزل سورة تبيّن ما في قلوبهم من النّفاق وتكلّموا بالإستهزاء صاروا كافرين بعد إيمانهم ,ولا يدلّ اللفظ على أنّهم ما زالوا منافقين.
وقال تعالى
"يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم"فقولهم الكفر كاف لتكفيرهم ,مع أنّهم كانوا مؤمنين ,بشهادة القرآن ,واستهزائهم بدين الله و آياته كفر مستقلّ عن ما في قلوبهم من تصديق أو تكذيب ,لكنّه دليل على فساد عمل القلب ,فأعمال الجوارح تخضع لإرادة القلب ,وبحسب عمله إمّا بالصّلاح أو الفساد ,تكون الجوارح تابعة لذلك الصّلاح أو الفساد القلبي ,إذ يستحيل أن يكون الباطن مؤمنا ,منقادا لله ورسوله ,محبّا لدين الله ,مبغضا لدين الكفّار ,وتكون أعمال الجوارح فاسدة ,متمرّدة على دين الله ,مقاتلة لجماعة المسلمين ,هذا لا يحصل أبدا إذا قلنا أنّ الإيمان اعتقاد وقول وعمل , والظاهر تابع للباطن منقاد له ,يعمل بحسب إرادته ,ولا يتخلف عنه أبدا ولا يضاده. أمّا مرجئة العصر فهم لا يكفّرون من أتى قولا أو فعلا كفريا ,ولا يرون ذلك الفعل الكفري دليل على التّكذيب ,و إنّما يشترطون قصد الكفر ,وهذا لا يُعرف إلا إذا صرّح الفاعل بما في قلبه من استحلال أو تكذيب ,فكانوا شرّ الفرق في الإيمان والكفر. قال ابن تيمية رحمه الله"إنّ سبّ الله أو سبّ رسوله صلّى الله عليه وسلّم كفر ظاهرا وباطنا ,سواء كان السّاب يعتقد أنّ ذلك محرّما أو كان مستحلاّ له أو كان ذاهلا عن اعتقاده"قال الله تعالى"قل هل أنبّئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدّنيا و هم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا"فهؤلاء الذين كفروا لم يقصدوا الكفر ,بل كانوا يظنون أنّهم يحسنون صنعا ,وأنّ أعمالهم هي عين الصّواب ,ومع ذلك كفروا ,وهذا ردّ على الذين يشترطون قصد الكفر لتكفير من أتى قولا أو فعلا كفريّا
فمن طعن في دين الله يكفر بذلك الطّعن ,وهو كافر لاستخفافه بقدر الله ,قال الله تعالى"وما قدروا لله حقّ قدره"فانتفاء التّعظيم من القلب كفر ,ولا يكون الرّجل مؤمنا ,وليس في قلبه تعظيم لله ولدينه ,بل استخفاف وازدراء وتنقّص لمقامه ولدين الله ,مع أنّه قد يكون في قلبه معتقد أنّ دين الإسلام هو الحق ,وانّ خلافه هو الباطل والضّلال ,غير مستحلّ لطعنه في دين الله ,وقد يكون الذي دفعه إلى ذلك هو إرضاءا لقوم يبغضون دين الله ,طلبا لما عندهم من لذّات ,أو منصب ,أو طلبا لرياسة وسلطة , أو خوفا من ضياع دنياه , وزينتها من بين يديه ,وهذا هو عين كفر أبي طالب عمّ