الصفحة 25 من 47

والثلج وناموا وملابسهم مبللة وحالهم لا يعلمها إلا الله، فلا تنظر إلى أحد منهم إلا تجد عيناه منتفختان لعدم النوم وشدة البرد، وتراه يتألم من الجوع قد ذهبت منهم حيوية الشباب بعضهم يحمل العصا كما لو كان عمره ناهز المائة، قد انحنى ظهره، وانهدت قوى بدنه وتغير لون وجهه وطال شاربه، وغطى شفتيه .. حالته تُبكى من يراها لأول وهله، ولكن القلوب ملأها الإيمان بأن الفرج لا شك قريب ..

وأثناء ذلك الوضع وقع موقف يدعو للتأمل .. فبينما أحد الأخوة أصابه من الجهد ما لا يعلمه إلا الله مما حدا به أن يتوكأ على عصاتين من شدة ما به، إذ مرّ به أحد الأخوة (وكان هذا الأخ في طبعه دعابة وطرفة) فقال للأول: لو أخذت عصا ثالثًا على ظهرك احتياطا لما معك لو انكسر أحدهما، فنظر له الأول وغضب عليه وانهدت قواه وتأثر من هذا القول، وعلى كل حال فقد أشعل المجاهدون النيران وباتوا ليلة قاسية ..

وفي اليوم الثاني من أيام وادي الموت عند شروق الشمس ضجت السماء بالطائرات المروحية، فقد عرفت أماكن المجاهدين من اليوم الأول واقترب الطيران لمسافات قريبة جدًا من فوق رؤوسنا، فأخذنا نجري يمينًا ويسارًا كلٌّ يتمسك بأصل شجرة وحاله في أسوأ حال، علاه الزفير والشهيق جف لعابه، وأصابه الهلع وهو يرى الطيران يقترب وطاقم الطائرة يوجه بيده نحوه، وكان ارتفاع الطيران لا يتجاوز 60 مترًا من فوق الشجر، وأخذ الطيران يدور على رؤوسنا، فلما ذهب الطيران للتزود بالوقود تحركت قوافل المجاهدين إلى أعلى الغابة باتجاه الجبال الجنوبية للغابة، ولما رجعت الطائرات ولم تجدنا في أماكننا فجن جنونهم فجابوا الغابة كلها طولًا وعرضًا، والغابة واسعةٌ جدًا وبعد طيران مكثف، ومنخفض جدًا عثروا على آثار لنا قد سلكناها للخروج من الغابة، فبدأ القصف الشديد، وقتل في ذلك القصف 4 مجاهدين نسأل الله أن يتقبلهم، فلما وصل المجاهدون أعلى الغابة أخذوا يسارًا إلى شرق الغابة، فلما وصلوا إلى نهر شرق الغابة وجدوا جاسوسًا خلف الشجر يصحح للطيران الرماية وهو رجل كبير ذو لحية بيضاء يرافق المجاهدين في الطريق فأخذوه، و ذبحوه وأخزى الله الظالمين وضاعت معلوماتهم فلم يعرفوا بالتحديد مكان المجاهدين، ولا يستطيعون إدخال جنودهم إلى الغابة، لأنهم يعرفون من هم المجاهدون.

وبعد ما تجاوزنا النهر أخذنا يسارًا إلى شمال الغابة واقتربنا من قرية ديسي خوتي التي خاف الروس من أن يدخلها المجاهدون، وقبل القرية بـ 2 إلى 3 كم توقفت القافلة وباتت لليلة الثانية في تلك الغابة التي حوصرت بـ 300 دبابة، عدا الأسلحة الأخرى بما فيها الطيران .. وكان الوضع غير جيد والهواء باردًا والأرض مبللة، والحال لا يعلم بها إلا الله سبحانه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت