وعند الفجر جاءت الأوامر بالرجوع من نفس الطريق إلى مكان آخر داخل الغابة فأصبح الوضع صعبا على الروس فلم يعثروا على مكان المجاهدين، وتوزعنا بين الأشجار يطوي الجوع بطوننا، وبقينا تحت الأشجار حتى الليل وبتنا الليلة الثالثة في الغابة المحاصرة.
وفي صباح اليوم الرابع الجمعة 28/ذو القعدة 1420هـ الموافق 4/ 3/2000م غيرنا مواقعنا وتركز القصف علينا بشتى الأسلحة من البر والجو، وقتل أحد الأخوة في ذلك القصف وجرح آخرون، وفي ذلك اليوم لم نجد طعاما فذبحنا أحد الخيول وكان نصيب الواحد منا قدر أصبعين من اللحم لا يسمن ولا يغني من جوع؛ سوى إسكات ألم البطن وسد الرمق، وانطلق الكثير منا للبحث عن الحشائش الصغيرة التي تحت الثلج لنأكلها حتى أحرقت بطوننا، وكم ذرفت العيون دموعها؟ وكم رفعت الأكف إلى الله ليفك عن المجاهدين ما هم فيه؟ ... حقا كانت أربعة أيام عمّت فيها الأمراض، وزادت الجراح، وكان بعضنا يضع كما تضع الشاة، وتقرحت الأقدام، فكان أحدنا ينزع الخف ويخرج مع الخف جلده، فيبكي كالطفل من شدة الألم، وضاقت الدنيا على المجاهدين، فجميع اتجاهات الغابة محاصرة والقصف مستمر، والجراح تزداد يوما بعد يوم والطعام غير متوفر، والحصار يشتد فلا إله إلا الله وحده، فلم يبق أمام المجاهدين سوى الاستعداد للقاء الله بالقتال حتى الموت، فلم يكن هناك أي أمل بالخروج إلا إذا أراد الله.
وبعد المغرب من يوم الجمعة - أي الليلة الرابعة - تحركنا إلى أسفل الغابة باتجاه الشمال لكي نخرج من ذلك الحصار، فجزى الله الأمراء خيرًا فقد رصدوا الطريق جيدا وكم سهروا وتعبوا ليفكوا الحصار عن إخوانهم، وكان الفضل لله وحده ثم للأخ خطاب الذي أرسل الأخ أبا ذر الطائفي ومن معه، فهم الذين رصدوا طريقا للخروج آمنا من الكمائن، وكم كانت الفرحة كبيرة في نفوسنا حين سمعنا صوت أبي ذر في جهاز اللاسلكي يخبر القادة بوجود الطريق، فنزلت القافلة حتى نهاية الوادي، ثم اتجهت يسارا تصعد تارة وتهبط تارة أخرى حتى خرجت من نفس الطريق الذي دخلت منه إلى وادي الموت، وقد انسحب الروس من هذا المكان بعدما قتل الله القوات الخاصة كلها هناك وسبق أن أشرنا لطريقة قتلهم.
وعند الخروج من الحصار كان القصف يأتي متفرقا على جنبات الطريق، والطريق شديد الوحل أنهك ما تبقى من قوى في الأجسام، واستمرت القافلة تسير على رأس الجبل الذي كان فيه الإنزال حتى وصلنا مكان المعركة الأولى التي قتل فيها القائد عبد الصمد الطاجيكي، ثم انحدرنا يمينا حتى دخلنا أحد الأودية وكان سيرنا طوال الليل من المغرب حتى الفجر، ثم بتنا في هذا الوادي طيلة يومنا متعبين، وبعد صلاة المغرب تحركت القافلة من الوادي إلى النهر، ثم دخلت القافلة في واد طويل ووعر، ونزلت القذائف المدفعية على بداية الوادي وسلم الله المجاهدين من شرها، وكان