الصفحة 12 من 24

ما بين النصف الأول والنصف الثاني من التفسير (1) فغير مقبول، لأنه خلاف الواقع، كما هو ظاهر عند كل من يقلب صفحات التفسير، ويمعن النظر في أجزائه .. ولنضرب مثلا بأقصر سورة، ألا وهي سورة الكوثر:

فانظر إلى أسلوبها، والوجوه المبثوثة فيها، واللطائف المتنوعة، والفوائد المتعددة، والتعرض للأمور العقلية، وطرق الأسئلة والأجوبة فيها، وذكر الأقوال والمسائل الكثيرة، والاستطرادات، والإشارات، واللغة، والإعراب، ووجوه البلاغة، ونقل آراء المفسرين واختلافهم، والترجيح أو التوفيق بين بعض الأقوال، وما إلى ذلك من الفهم والمعاني الدقيقة، ثم قوله - رحمه الله تعالى - بعد هذا التطواف الذي ينمّ عن عقليته المتّقدة، والمعبّر عن تواضعه المعهود، ومعرفته بعظمة كلام ربه تبارك وتعالى:

"اعلم، أن من تأمل في مطالع هذه السورة ومقاطعها، عرف أن الفوائد التي ذكرناها بالنسبة إلى ما استأثر الله بعلمه من فوائد هذه السورة كالقطرة في البحر" (2) .

وانظر بعدها إلى سورة الكافرون، نجده قد ذكر في {قُلْ} - فقط - ثلاثة وأربعين فائدة، وذلك منهجه في التوسع والاستطراد.

وما ذكره الدكتور بسيوني من أن هناك فرقا في ذكر أقوال الحكماء والمسائل الرياضية وغيرها، فغير مسلّم - أيضا - لما تقدم، ولأن ذلك مثبوت في ثنايا التفسير، نجده في مواضع متعددة من الأجزاء الأخيرة.

انظر - مثلا - ما ذكره في تفسير سور يس عند قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِيْ لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا، ذَلِكَ تَقْدِيْرُ الْعَزِيْزُ الْعَلِيْمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيْمِ. لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِيْ لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُوْنَ} [يس: 38 - 40] .

وانظر المسائل التي ذكرها في تفسير قوله تعالى من سورة الطور: {يَوْمَ تَمُوْرُ السَّمَاءُ مَوْرًا. وَتَسِيْرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} [الطور: 9 - 10] . لا سيما الثانية والرابعة منها (4) .

وما ذكره في تفسير سورة التكوير والانفطار والفجر وغيرها من السور التي بعد سورة

(1) انظر"نشأة التفسير ومناهجه"ص 189 - 190.

(2) انظر"التفسير الكبير"22/ 134.

(3) انظر"التفسير الكبير"26/ 71 - 77.

(4) انظر"التفسير الكبير"28/ 242 - 245.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت