فهرس الكتاب
كلا الصورتين السابقتين للمهادنة، غير التي وقعت بين الحكومة السعودية ومثيلاتها، وأمريكا وأخواتِها، وهي المهادنة المؤبّدةُ، المشروطة إلى أبدِ أبد، وهذه الصُّورة من الضلال المبين، والرِّدَّة عن الدين، كما قال أبو عبد الله أسامة:"من زعم أن هناك سلامًا دائمًا بيننا وبين اليهود فقد كفر بما أنزل على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -"، ووجهُ ذلكَ أنَّه من التَّعاهد على إبطال حكمٍ لله بالكلِّيَّة، والتنصُّل منه، وسواءٌ من جهة إنكار الحكم الشرعيِّ: من تعهَّد أو حلف أن لا يصوم رمضان ولا يحجَّ البيت حتى يموت، ومن تعهّد أن لا يُقاتل الكفَّار أو قومًا منهم حتّى يموت، والمخالف - إن كان في المسلمين من يخالف في هذه الصورة:
1.إمَّا أن يزعم أنَّ القتال واجبٌ يجوز تركه لعهد مع الكفَّار ومعاهدتهم على هذا الترك لأبدٍ فيسقط وجوبُه.
2.وإمَّا أن ينكر وجوب قتال الكفَّار، وكلاهما كفرٌ.
3.كما أنَّ هذا العهد ترك لالتزام حكمٍ شرعيٍّ واجبٍ من الله، وترك التزام أحكام الله كلّها أو بعضها كفرٌ.
4.والتلفُّظ بجحودها كفرٌ ثانٍ.
5.واعتبار شرعيِّتها تبعًا لالتزام شريعة المشرِّع الطَّاغوتيِّ لهم (الشرعيَّة الدوليَّة) كفر ثالث.
6.وكون ذلك طاعةً للكافرين كفرٌ رابع، كما حكم الله بكفر الذين قالوا للكفار سنطيعكم في بعض الأمر.
والعجيب أنَّ هؤلاء المرقعين للطواغيت ينقلون في تعريفهم العهد، ما يبطل تسميتهم الأمريكان معاهدين، وينقضها بما بُيِّن أعلاه في شروط مدّة العهد فيقولون:"والعهد هو عقد بين المسلمين وأهل الحرب على ترك القتال مدّةً معلومةً"، ولا أدري هل يفهم هؤلاء معنى ما ينقلونه ويظنُّون أنَّ العهد الواقع اليوم مشروطٌ بمدة معلومة؟ أم يعلمونَ حال العهود اليوم، ولا يفهمون أن ما نقلوه مخالف لها؟
فهذا الكلام في مدة العهد.
ب مشرِّع العهد: فالمسلمون مأمورون بحكم الله الشرعيِّ أن يُقاتلوا الكفَّار، ومعلومٌ أن حكم الله لا يُعارَض بحكم غيره وهواهُ، فليس للمسلمين ترك القتال الواجب شرعًا إلا بأحد شيئين:
أ. رخصةٍ شرعيَّةٍ.
ب. حكمٍ من الله الذي أمرهم بالقتال.
والله قد جوَّز لهم العهدَ، فمتى أخذ المسلمون بالعهد الذي جوّزه الله لهم، كانوا مطيعين لله ممتثلين أمره، وبهذا الوجه لا غيره يصحُّ العهدُ، ومعلومٌ أنَّ كلَّ مسلمٍ إنَّما يُمضي عهوده على هذا، وعليه يجب حملها، ولكنَّا وجدنا عهود هؤلاء على غير ما ذُكر.
فإنَّهم يتّفقون في عهودهم على شرعيَّة الأمم المتحدة [[1] ]، وعهودهم كلها فرعٌ على دخولهم لهذه الأمم المتّحدة، وانتمائهم لحلفها الطاغوتيِّ [[2] ]، الّذي لا يُبنى على اختيار من كل متعاهد، بل هو إلزامٌ من الأمم المتحدة التي اصطلحوا على إعطائها قوةً تشريعيَّةً تُحرِّمُ وتُجرِّم، وتنهى وتأمر، ويحقُّ لهم مُقاتلة من أبى الدخول فيها، والتوقيع على بنودها الكفريَّة، ومن أهونها كفرًا اتفاقهم على:
(1) (ومعَ أهمِّيَّةِ فقه الواقع إلاَّ أنَّ الناس انقسموا تجاهه قسمين: قسمًا أعرض عن الواقع وعن معرفته والنظر فيه، ثمَّ سوَّغ لنفسه ذلك واعتاد عليه، ولربّما يحتجُّ بقصصٍ متفرَّقةٍ عن بعض السلف لم يحسن أن يضعها في موضعها، وأقدم مع ذلك على الفتوى في النوازل ودقائق المسائل، وحمله إعراضه عن فقه الواقع إلى الإعراض عن فقه الواقعة، فمن ذلكَ ما تراه من فتاوى بعضهم بشرعيَّة الانتماء إلى الأُمم المتَّحدة، ثمَّ يُسأل عنها وعن ماهيَّة الانتماء إليها وما يعرف من بنودها، فتجده لا يدري ما هي وماذا فيها، ويقول على الله بغير علمٍ حين يجوِّزها، وفي بنودها ما يكفر من عرفه وحكم بجوازه، بل في بنودها ما يكفر من علم به ولم يعتقد أنَّه كفرٌ، وبلغ بهم الإعراض عن الواقع الَّذي يظنّونه دينًا أنَّهُم لا يعرفون من أحوال المسلمين شيئًا، بل يبيت واحدهم آمنًا شبعانَ وجارُهُ جائعٌ ... ) انتهى من كتاب هشيم التراجعات للمؤلف. [التهذيب]
(2) مجرد الانتماء لهذه المنظمة كفر بحد ذاته فما بالك بمن يفتخر أنه من المؤسسين لها، ويحتكم إليها، ويطيع تشريعاتها المخالفة لأمر الله ورسوله. يقول الشيخ المجاهد الشهيد أبو عمر السيف في كتابه السياسة الشرعية:"والآية الكريمة {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ شَيْئًا} تشير إلى أن الشرك في التشريع, والتحاكم إلى غير الله, من سجايا اليهود والنصارى القديمة, التي لا تزال باقية, ولكن زادوا صورا وأشكالا جديدة من التحاكم إلى غير الله تعالى, كالتحاكم إلى قوانينهم, ومحاكمهم الكفرية, وإلى برلماناتهم, وهيئاتهم المحلية والدولية كهيئة الأمم المتحدة، وغيرها من الصور والأشكال, التي تجتمع في حقيقة واحدة, وهي رجوعهم إليها في الحكم والتشريع, وأنها أصبحت أربابا تعبد من دون الله تعالى. فمن تحاكم إلى غير الله تعالى, واتخذ غير الله حكما ومشرعا, فقد أشرك بالله شركا أكبر يخرج من ارتكبه من الإسلام, كما قال تعالى: {وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} , وفي قراءة: {وَلاَ تُشْرِك فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} ، بصيغة النهي عن الإشراك بالله تعالى في الحكم والتشريع, وهذه الآية كقوله تعالى: {وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا} , فالشرك في التشريع والتحاكم هو من الشرك في العبادة, فإن التحاكم من العبادة, كما قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ."
وقال تبارك وتعالى: {وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} , أي إذا أطعتم المشركين في حل أكل الميتة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} , فتأمل هذه الآية, فقد حكم الله تعالى عليهم بأنهم مشركون إذا أطاعوا المشركين في مسألة واحدة, فكيف بمن تحاكم إلى غير الله كالقوانين, أو الهيئات, أو غيرها, في جميع شؤون الحياة أو بعضها، وكيف بمن اتخذ نفسه مشرعا، وحكّم القوانين الوضعية في البلاد, وألزم الناس بها, وحماها ودافع عنها بجنده وإعلامه, فإذا حكم الله تعالى على من أطاع المشركين في مسألة واحدة بالشرك, فالحكم على الحكام المبدلين لشرع الله بالكفر والشرك, و الخروج من الإسلام من باب أولى. وهذه المسألة من مسائل الإجماع, والأدلة عليها واضحة وصريحة, ولا يتعامى عنها إلا من أعمى الله بصيرته وصرفه عن الحق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله"والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه, وحرم الحلال المجمع عليه, أو بدل الشرع المجمع عليه, كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء". [التهذيب]