هذا كله فوق أن توقف العمليات واستقرار الوضع يعني إعطاء أمريكا ممثلة في عملائها وتحت إشرافها الضوء الأخضر لاعتقال البقية الباقية من المجاهدين والداعمين والمنسقين، ومن يثبت لديهم تورطه في دعم (الإرهاب) في أرض الرافدين، ناهيك عن سعيهم الحثيث والمكشوف آنذاك إلى طمس الهويّة الإسلامية، وتغريب أهل الجزيرة العربية.
تردد هذا التساؤل بعينه أيام الجهاد الأفغاني الروسي، وكانت أمريكا فعلًا مستفيدة من ذلك الجهاد، ولكن الواقع أنَّ أمريكا التي أصبحت اليوم أمام أزمة بقاء على أيدي (الأفغان العرب) هي أكبر متضرر من ذلك الجهاد، وقد قال الله عز وجل عن عبده ورسوله موسى {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} وكان فرعون يمنُّ على موسى بتلك الخدمة التي أسداها له {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} والواقع أنَّ فرعون لم يفعل ذلك من أجل موسى، حرصًا وشفقةً عليه، بل {عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} ، وهذا بالضبط هو ما حصل لأمريكا في الجهاد الأفغاني القديم، فقد التقطوه ليكون لهم عدوًّا وحزنًا، ومنُّوا به على المجاهدين، بل أظهروا للشعب الأمريكي أنَّ الشعب الأفغاني المسلم حين أقام دولة طالبان ما هو إلا مجموعة من الثوار الذين دعمتهم أمريكا ضد الاتحاد السوفيتي ثم تمردوا عليها، مع أنَّ الأمريكان لم يكن يعنيهم في شيء عدالة القضية الأفغانية، ومأساة الشعب الأفغاني.
ليس ذكرنا لهذه الحادثة التأريخية منطلقًا من تشابه كبير لهذا مع الواقع المعاصر، وإنَّما المراد أنَّ هذه الحجة حجة داحضة، وقد قام المسلمون وقتذاك بما يجب عليهم، وكاد الكافرون كيدًا، وكاد الله الكافرين كيدًا، وما أمهلهم إلا رويدًا (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) .
والواقع أنَّ أمريكا هي المتضرر الأول، وهي التي وضعت الحركة الجهادية في جزيرة العرب على قائمة الأولويات، وهي التي هددت الطواغيت بالزوال إن لم يتغلبوا على الحركة الجهادية، وهم يعرفون أنَّ تهديد الطواغيت بالفصل من وظائفهم هو أعظم دافع لهم على العمل والاستماتة في القضاء على الحركة الجهادية.
بل قد حدث في حوادث معروفة، أنَّ محمد بن نايف ابن وزير الداخلية ووكيله للشؤون الأمنية طلب من بعض المطلوبين عن طريق بعض المشايخ المرتبطين به ارتباطًا وثيقًا أن يخرجوا إلى العراق، وما كان له ولا لأمثاله من العملاء أن يرسل الكوادر التي قد ترفع مستوى الحركة الجهادية أضعافًا كثيرة إلى العراق إلاَّ وأمريكا تتمنى أن تخلو هذه المنطقة، وأن تركز المجهود في العراق.
ومن المعروف لدى أي قوة أو دولة تدخل حربًا، أنها تحرص على توفير مكان آمنٍ لها تدار منه القوات ويتوفر فيه الدعم والإخلاء الطبي وما إلى ذلك، وهذا ما يدعو الأمريكان إلى المحافظة على بلاد الحرمين ودول الخليج في وضع مستقر وهادئ إلى حين الفراغ من العراق والقضاء على الحركة الجهادية في ظنهم، ليكملوا احتلال المنطقة التي بدؤوا في احتلالها منذ عقود.
وأمَّا أنَّ أمريكا تفرح بالقضاء على المجاهدين على أيدي الحكومة السعودية العميلة، فهذا أمر صحيح، كما أنَّها تفرح بالقضاء على المجاهدين في أفغانستان على أيدي الحكومة الأفغانية العميلة، ولو استطاعت روسيا أن تخرج من الشيشان وتوكل الحكومة الشيشانية العميلة بما تعمله لنعمت بذلك عينًا، ومن الطبيعي أن كل عدو محتل يتمنى أن يكون القضاء على عدوه بأيدي عملاء مستأجرين لا قيمة لهم لا عند الله، ولا عند من استأجرهم، ولا عند من يُقاتلهم، بل حتى في حساب النفقات والتكاليف لا نشك أنَّ الأمريكان لا يحسبون القتلى من الجنود الأفغان أو السعوديين أو العراقيين في العراق اليوم ضمن حساب الخسائر.
وكون هذا الظرف متهيأً لدى الأمريكان في أفغانستان أو بلاد الحرمين، لا يعني أن يُترك الجهاد، خاصة مع وضوح مشروعيته، وكون الأمريكان يحتلون البلاد ثم يقيمون من يحمي مستوطناتهم من أهل البلد في كل بلد يحتلونه، لا يعني السكون عنهم وتركهم، وكون الأمريكان لا يكلفون أنفسهم مطاردة أعدائهم والبحث عن قواعدهم السرية، ويجدون من يجندونه من طريق عملائهم المخلصين لا يعني أن نترك الميدان لهم يسرحون ويمرحون فيه بلا حسيب ولا رقيب.