فهرس الكتاب
هذا مع الأخذ في الحسبان إلى أنَّ المقاتل لا يستعجل من أجله يومًا بل كما قال الله عز وجل: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} {قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .
وهذه المعاني الشرعية والآيات الصريحة، ليست مجرد كلمات يرددها الوعاظ، ويُطَمْأن بها الخائف، بل هي جزء من معتقد المسلم، وركن من أركان الإيمان، فمن الإيمان بالقدر الذي لا يصح إيمان إلا به، أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك.
وإذا قلنا إن الأمريكان يفرحون بمقتل المجاهدين على أيدي عملائهم وجنودهم غير الأمريكيين، فلا ننسَ أنَّ الأمريكيين سيفرحون فرحًا أشدّ إذا قتل المجاهدون على أيدي الروس وعملاء الروس ممن ليسوا تبعًا لأمريكا ولا محسوبين عليها، بل هم محسوبون على عدوها التأريخي (روسيا) ، ومع ذلك فلا يعني هذا أن يتوقف الجهاد في روسيا وأن نطالب بتوقف الدعم بالرجال والأموال والخبرات والإعلام للمجاهدين في الشيشان، نسأل الله أن ينصرهم وأن يعلي بهم دينه.
بل حتى المجاهدون الذين تقتلهم أمريكا بأيدي أمريكيين في كل جبهة من جبهات الجهاد، فإنّها تفرح بهم، ولو كان تصورهم للقتل في سبيل الله مبنيًّا على هذا التساؤل: هل تفرح أمريكا بمقتلنا؟ لما قاتلوا، ولأوقف القتال في كثير من الجبهات، وخاصة التي لا تقع في مناطق الصراع التي تجمع الأهداف الاستراتيجية من اقتصادية ودينية واجتماعية، والتي تحرص جميع قوى العالم على السيطرة عليها، بل كانت مدار أكثر المؤامرات والحروب الباردة بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي.
وإذا نظرنا في هذا الجانب فلننظر إلى الجانب الآخر من كون المجاهدين يقتلون الأمريكيين في العراق وأفغانستان وبلاد الحرمين، وهذا الجزء هو الجزء المؤلم للأمريكيين وهو محل النكاية في الأمريكان.
ويمكن أن تُعكس الدعوى من أساسها فيُقال: لا يذهب المجاهدون إلى العراق فأمريكا تفرح لو استدرجت الطاقات الجهادية والكوادر المدربة من بلاد الحرمين لتخلو لهم البلد فيحتلوها، وتخرجهم إلى أرض العراق التي صارت بالنسبة للأمريكيين ميدان حرب بحكم الأمر الواقع.
وفي الجانب نفسه فإنَّ الثمن الذي يدفعه الأمريكان إذا انتقل المجاهدون إلى العراق لن يكون أكثر من جنود أمريكيين، ويستفيد الأمريكان تأمين المدنيين، وتأمين المدنيين والعسكريين خارج العراق، وهذا مكسب تدفع أمريكا مقابله المليارات لو استطاعت الوصول إليه، لتكون في حالة حرب عادية في بلدٍ محدد داخل حدوده السياسية.
بخلاف ما لو لم يخرج المجاهدون من الجزيرة، فإن أمريكا ستخسر خسائر عديدة في الأرواح الأمريكية التي تبقى مستهدفة حيثما حلت مع وجود أكثر من ثلاثين ألف أمريكي في بلاد الحرمين فيما يعلنونه، ووجود المصالح الكثيرة التي لا يستغنون عن إدارتها واستيطانها بأنفسهم، إضافة إلى تقييد حرية منسوبيها من جواسيس CIA و FBI في التنقل داخل جزيرة العرب، والقيام بمهامهم الجاسوسية المتنوعة.
والمتتبع لمسيرة التاريخ الجهادي، يلحظ أن قيام أي حركة جهادية لا يعني مقتل الكوادر وانقضاءهم بحالٍ، بل كل جبهة جهادية قامت أدَّت إلى تكوين العديد من الكوادر والعناصر المدربة من المجاهدين، ولم يخرج المجاهدون من ميدان جهاد دخلوه إلا بغنائم كبيرة تتمثل في ارتفاع المستوى العسكري للمجاهدين، وما الذي أقلق الأمريكيين وعملاءهم من العرب الأفغان إلا هذه الطاقات والخبرات الكبيرة التي حصلوا عليها من جهادهم؟
بل إنَّ الازدياد الكيفي يرافقه ازدياد كمي متسارع بطريقة عجيبة، فالشباب المؤمن الموحد كلما رأى حركة جهادية سارع بالانضمام إليها، وحصل على التدريب اللازم، واكتسب من المواجهات الخبرة الكافية لجعله جنديًّا من جنود الله يرهبه أعداء الله ويحسبون له ألف حساب.
فأوضح المكاسب الكبيرة من قيام أي حركة جهادية انضمام عدد كبير من الشباب المتحمِّس، فيتجاوز الاندفاع الكلامي والحماس العاطفي، ليكون كادرًا من كوادر الأمة، ويستلم دوره الحقيقي في إنقاذ الأمة وقيادة العامة، بعد أن أصبح مقاتلًا في سبيل الله يرهب أعداء الله، ويحسن حمل السلاح، ويجيد فنون القتال، فنحصل في مدة بسيطة على كوادر كثير تحمل ثقافة عسكرية وعقلية مقاتلة توازي إن لم تتجاوز نتاج الكليات العسكرية الأكاديمية، مع حملها همّ الأمة والتصور الاستراتيجي الواعي لواقع الأمة الأليم، ولمنهاج العزة الذي يخرج الأمة من نفقها المظلم.