وقد وصلت الحرب إلى مرحلة متقدمة من الصراع، لم يعد فيها مجال لمن يُغالط نفسه، ويُناقش في عمالة الحكومة السلولية وغيرها من حكومات العالم الإسلامي اليوم، بل إنَّ الذي يدعي أنَّ هناك دولًا أكثر عمالةً من الحكومة السعودية، والحكومات الخليجية والعربية في العالم كله، يرتكب أغاليط كبارًا، لا تحتاج إلى تأمل في كشفها والجواب عنها.
فإذا كنَّا نعلم أنَّ الطواغيتَ جادُّون في تغيير الدين ومحاربته، وأنَّ تأخّرهم إنَّما هو لضمان نجاح خططهم على قاعدة (بطيء، ولكن أكيد المفعول) ؛ إذا كنا نعرف هذا ونعرف أنَّ الطواغيت ما دام لديهم قدرة على تبديل الدين سيبدلونه، وأنَّهم كلما تأخروا فإنَّما هو لإحكام المكيدة، فلماذا نطالب بالسكوت والقعود والتخاذل عن الواجب الشرعي الذي نتفق أنّه هو الحل الصحيح في الأصل، ونؤيد كل من يختار هذا الحل في الشيشان وأفغانستان والعراق؟!
والنظر إلى هذه المكاسب الموجودة بعينٍ واحدةٍ منهج خاطئ، فليس لنا أن ننظر إلى مكاسب موجودةعلى حسابِ المسلمين الذين نعلم أنَّهم يقتّلون بدعم الحكومة السلولية، التي ماكانت لتستطيع ذلك لولا ما تطالبون به من تهدئةالأوضاع، والتغاضي عما تفعله هذه الحكومة العميلة.
أخي المسلم والمجاهد؛ ألم تر المسلمين يقتَّلون في أفغانستان، ومن بعدها العراق؟! ألم تر الثكالى على الشاشات يصرخن ويستغثن المسلمين؟! ألم تر أشلاء الأطفال ممزقة مقطعةً، وجماجمهم وأدمغتهم منثورة على الشاشات؟! ألم تر المسلمين في شر حالةٍ من الهوان والذل والألم والبأس والضرّ؟!
هل يمكن أن تقبل بهذا ثمنًا للمكاسب التي تذكرها وتطالب بالمحافظة عليها؟ ألست ترى أنَّ قيادة الحرب كانت من الجزيرة، وأنَّ الدعم اللوجستي بجميع أنواعه كان مقره هذه البلاد التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتطهيرها من المشركين؟
رأيتَ الحرب على العراق، ورأيتَ كيف كانت جميع الإمكانات العسكرية في بلاد الحرمين تحت أيدي الصليبيين، بما في ذلك القواعد العسكرية، بل ومطار عرعر المدني تحول إلى قاعدة عسكرية لموقعه الاستراتيجي الذي لا يُستغنى عنه في ضرب العراق [[1] ].
هذه الخسائر العظيمة في بلاد المسلمين، كنا ندعمها من حيث لا نشعر، ونساندها ونحن لا نعلم، حين نعمل على إبعاد الحرب عن هذه الأرض، ونحن نحمي قواعد الصليبيين، ونؤمِّن ظهورهم من حيث لا ندري.
علينا أن نحافظ على المصالح الشرعية، ولكن ذلك لا يكون بالرؤى والاجتهادات الفردية، بل ليس للمحافظة على الدين سبيل إلا بإقامة الدين {كتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} .
هذه المكاسب التي نتشبَّثُ بها، لا تعدُّ شيئًا إذا قارنَّاها بالخسائر العظيمة التي نعيشها، وربما استمرأناها وألفناها مع طول الزمان، ولكن علينا أن نراجع أنفسنا، وننظر في هذا الأمر العظيم الذي تعيشه الأمة اليوم:
هل تعادل هذه المكاسب شيئًا أمام الخسارة، في بلاد الحرمين التي تحكم بغير شرع الله في كثير من المجالات؟!
هل تعادل هذه المكاسب شيئًا، مقابل أن يُلزم المسلمون بالتحاكم إلى نظام العمل والعمَّال الطاغوتيِّ، ونظام المحكمة التجارية، والنظام المصرفي الربوي، والنظام الجمركي، ونظام المحكمة العسكرية، وما إلى ذلك من قوانين وضعية مستوردة عن الغرب الصليبيّ الكافر، ويُنحّى شرع الله، ويحرّم على من يحكم بالشرع أن يتناول هذه المسائل والقضايا؟
هل تعادل هذه المكاسب شيئًا، مقابل موالاة الكفار التي صدع بها الطواغيت، وأعلنوها، بل وافتخروا بها حتى كادت تصير شيئًا معتادًا ومألوفًا عند الخاص والعام، وحتى طُمس معنى موالاة المؤمن الموحد ومعاداة الكافر عدو الله من قلوب كثير من الناس؟!
هل تعادل هذه المكاسب شيئًا مقابل تمييع الدين، وتبديل الشريعة، وطمس البصائر، وتلويث الفطر، وترويج الباطل والمنكر والفساد والفسوق؟
هل تعادل شيئًا مقابل ما تزخر به وسائل الإعلام التي يرسلها الطواغيت ويروجونها من فساد ومنكرات وعصيان؟
أتعادل شيئًا والرجل العابد الصالح، الذي حصَّن بيته من وسائل الغواية والفسوق، لا يأمن على ولده أن يجرفه المجتمع بما انتشر في كثير من الطبقات من الفساد والأمراض الأخلاقية؟
(1) راجع الخرائط والوثائق في كتاب"هل بقي ما يقال عن دولة التوحيد".