فهرس الكتاب
وقد يأتي الفعل مضارعًا لانه يتحدث عما سيقع وذلك كما في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) [1]
وقد جاء الاستئناف البياني ردا على قول الباري عز وجل من الملائكة مصدرا بهمزة الاستفهام (وفصل الجواب ولم يعطف بالفاء او الواو جريا على طريقة متبعة في القرآن الكريم في حكاية المحاورات وهي طريقة عربية ـ وانما حذفوا العاطف في امثاله كراهية تكرير العاطف بتكرير افعال القول، فان المحاورة تقتضي الاعادة في الغالب فطردوا الباب، فحذفوا العاطف في الجميع وهو كثير في التنزيل) [2] .
وهذا الكلام لا يعدو أن يكون شرحا للقاعدة التي وضعها عبد القاهر الجرجاني وقد اكثر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (ت1973م) من الاشارة الى ذلك في عدة مواضع من تفسيره. [3]
وقد جاء الاستئناف البياني مفتتحا بالفعل المضارع في قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ* وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ* قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) [4] .
وقوله جلت قدرته: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [5] .
وبعد ان نستبعد الفعل (قال) لانه حكاية لما دار من الكلام بين طرفين او اكثر نجد ان الفعل المضارع الذي يتصدر الجواب كان زمنه يدل على الحال والاستقبال
(1) البقرة: (30) .
(2) التحرير والتنوير، 401:1.
(3) ينظر: م. ن:704:1، 716:1، 126:12، 129:12، 152:15، 332:16، 25:29. وينظر: المنظور البلاغي في تفسير التحرير والتنوير: 85 - 86.
(4) القصص: (33 - 35) .
(5) فصلت: (11) .