والذبن عملوا بالحديث قَالُوا: فَعَائِشَةُ ذَكَرَتْ الْوَعِيدَ لِأَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ وَنَحْنُ نَعْمَلُ بِخَبَرِهَا فِي التَّحْرِيمِ ،وَإِنْ كُنَّا لَا نَقُولُ بِهَذَا الْوَعِيدِ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا ثَبَتَ عِنْدَنَا بِخَبَرِ وَاحِدٍ .
وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْوَعِيدَ مِن الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ ؛ فَلَا تَثْبُتُ إلَّا بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ ،وَأَيْضًا فَإِنَّ الْفِعْلَ إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا فِي حُكْمِهِ لَمْ يَلْحَقْ فَاعِلَهُ الْوَعِيدُ .
فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ يُحْتَجُّ بِأَحَادِيثِ الْوَعِيدِ فِي تَحْرِيمِ الْأَفْعَالِ مُطْلَقًا وَلَا يَثْبُتُ بِهَا الْوَعِيدُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الدَّلَالَةُ قَطْعِيَّةً ،وَمِثْلُهُ احْتِجَاجُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ بِالْقِرَاءَاتِ الَّتِي صَحَّتْ عَن بَعْضِ الصَّحَابَةِ مَعَ كَوْنِهَا لَيْسَتْ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ، فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتْ عَمَلًا وَعِلْمًا وَهِيَ خَبَرُ وَاحِدٍ صَحِيحٌ فَاحْتَجُّوا بِهَا فِي إثْبَاتِ الْعَمَلِ ،وَلَمْ يُثْبِتُوهَا قُرْآنًا لِأَنَّهَا مِن الْأُمُورِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي لَا تَثْبُتُ إلَّا بِيَقِينِ [1] .
2-َذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ مِن الْفُقَهَاءِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ السَّلَفِ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ حُجَّةٌ فِي جَمِيعِ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِن الْوَعِيدِ .
فَإِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالتَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ مَا زَالُوا يُثْبِتُونَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْوَعِيدَ كَمَا يُثْبِتُونَ بِهَا الْعَمَلَ ،وَيُصَرِّحُونَ بِلُحُوقِ الْوَعِيدِ الَّذِي فِيهَا لِلْفَاعِلِ فِي الْجُمْلَةِ ،وَهَذَا مُنْتَشِرٌ عَنهُمْ فِي أَحَادِيثِهِمْ وَفَتَاوِيهِمْ ،وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَعِيدَ مِن جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي ثَبَتَتْ بِالْأَدِلَّةِ الظَّاهِرَةِ تَارَةً وَبِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ أُخْرَى ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمَطْلُوبُ الْيَقِينَ التَّامَّ بِالْوَعِيدِ؛ بَل الْمَطْلُوبُ الِاعْتِقَادُ الَّذِي يَدْخُلُ فِي الْيَقِينِ وَالظَّنِّ الْغَالِبِ كَمَا أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ فِي الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ . وَلَا فَرْقَ بَيْنَ اعْتِقَادِ الْإِنْسَانِ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا وَأَوْعَدَ فَاعِلَهُ بِالْعُقُوبَةِ الْمُجْمَلَةِ وَاعْتِقَادِهِ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ وَأَوْعَدَهُ عَلَيْهِ بِعُقُوبَةِ مُعَيَّنَةٍ مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُمَا إخْبَارٌ عَن اللَّهِ، فَكَمَا جَازَ الْإِخْبَارُ عَنهُ بِالْأَوَّلِ بِمُطْلَقِ الدَّلِيلِ فَكَذَلِكَ الْإِخْبَارُ عَنهُ بِالثَّانِي، بَل لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الْعَمَلُ بِهَا فِي الْوَعِيدِ أَوْكَدُ ؛ كَانَ صَحِيحًا .
(1) - انظر مناهل العرفان للزرقاني - (ج 1 / ص 457)