ثم يشرح المكى كيف يزهد المرء في الدنيا من خلال ما هو مطروح لديه من أمور الابتلاء بأن الله قال في شأن يوسف عليه السلام:
{ وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين } (1) .
فهذه تسمية لهم بالزهد فلما باعوه وخرج من أيديهم صاروا زاهدين ، والعرب تقول شريت بمعنى بعت لأنهم يقولون ابتعت بمعنى اشتريت .
كذلك العبد إذا باع نفسه وماله من الله تعالى وخرج من هواه إلى سبيل مولاه فهو من الزاهدين ، وكذلك قال المولى عز وجل:
{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } (2) .
وقال أيضا: { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى } (3) .
فإذا كان العوض واحدا وهو الجنة في ذكر المعنين كان بيع النفس ـــــــــــــــــــــــ
1-يوسف / 20 .
2-التوبة /111 .
3-النازعات /40 .
والمال وإخراجهما لله تعالى بمعنى النهى عن الهوى فيهما ، والهوى هو الحياة الدنيا ، وهو اقتناؤه للمال وحبس النفس عليه ، فاستبدال ذلك بضده من إخراج الهوى من النفس وإدخال الفقر على المال هو الزهد في الدنيا (1) .
يقول سهل بن عبد الله: ( من علامة حب الله تعالى حب النبى عليه السلام ومن علامة حب النبى صلى الله عليه وسلم حب السنة ومن علامة حب السنة بغض الدنيا وعلامة بغض الدنيا ألا يأخذ منها إلا زادا وبلغة ) (2) .
* موضوع الاختيار البشرى واتساع دائرته عند الصوفية:
وإذا كان موضوع الاختيار البشرى ومجاله عند أغلب أوائل الصوفية هو اختيار الدنيا في مقابل الآخرة أو العكس ، فإن هذا المجال أخذ في وقت مبكر بمعنى آخر يختلف عن هذا المعنى وإن اتفق معه في بعض النتائج ، وذلك أن الزهد الذى تميز به الصوفية وبمفهومه السابق دليل واضح على اختيارهم للآخرة ورفضهم للدنيا ، ولكنه لم يلبث حتى تطور من الزهد في الدنيا فقط إلى الزهد في الدنيا والآخرة معا ، طمعا
ــــــــــــــــــــــــ
1-قوت القلوب حـ 1 ص 247 .